ربنا أمر بالستر، ونهانا عن لوثة الجدال، ورسولنا الكريم حذرنا من كثرة السؤال عن أشياء قد تسوؤنا لو»تَبَدت»، ولكن هناك دهماء يسألون «بلقافة» عن أي شيء، وبالمقابل هناك فضلاء يعرفون كل شيء ويعلمون كل صغيرة وكبيرة، راسخون في العلم الشرعي، أو أنهم يعتقدون ذلك، لا يردّون أحدا، أي طالب إجابة عن أسئلة عقيمة، يجيبونه فورا، يجيبون عن كل مسألة شرعية، ولا يقولون لا ندري أبدا! وبالتالي حصلت «بَلابل، جمع بَلبَلَة»، وثورات مجتمعية تويترية باردة وحارة وحجم عائلي! يمرون علينا صباحا ومساء وحين نضع ثيابنا من الظهيرة في بعض الفضائيات أو «الفضائحيات» يقولون: هذا حلال وهذا حرام في كل ما لذَّ وطاب، وكأن ليس بينهما أمور مشتبهات ومسائل خلافية وأخرى تحتاج إلى النظر! وكأن الإمام مالك بن أنس لم يقل في 32 مسألة لا أدري من مجموع المسائل الــ 48 التي سئل عنها! فربح بصنيعه الملايين من المحبين بدون مساعدة من صديق وأصدقاء، وجميع الأئمة قالوا: لا ندري في كثير من المسائل، والرسول نهى عن كثرة البحث في المسائل المسكوت عنها ونبشها، دواعش «الفتيا» اليوم وهُمْ قلة يبرمون عقودا مع فضائيات كي يفتوا و»يسترزقوا»! شعارهم في ذلك «يا بخت من نفّع واستنفع»، يحللون ويحرمون في كل شيء دون قيود أو خوف، لا يراعون في بعض المسائل تأثيرها على المجتمع ولا على الأمن الفردي والجماعي ومصلحة البلاد والعباد وزمانها ومكانها، فليس كل مسألة صالحة للتطبيق الآن. لكم رأيتُ وسمعتُ من يُفتي في أمور من شأنها التأثير الأمني والأخلاقي، ولكم رأينا ـ أيها السادة ـ من فتاوى «ما لها داع» نطق بها مشايخ كنا نعدهم من الأخيار، دون مراعاة لواقع الحال.
والأعوام الماضية شهدت بعض هذه الفتاوى المضحكة المبكية التي تحُرّم وتؤجج المشاعر الدينية وتحرض على الفساد الفكري، نتيجة لبعض الأسئلة الهابطة الملغمة من أناس فارغين، وهم بذلك يسيِّرون هؤلاء السائلين والمفتين في ركاب التطرف في الفتيا والاستفتاء، فهؤلاء يتبنون الفتيا وخداع السذج من الناس بلا بصيرة وقراءة مسؤولة لواقع المآل، ومراعاة لعقول المتلقين، فتاوى كالشرر انطلقت من بعض دواعش «الفتيا» كان لها أعاصير ترابية جافة، فليس كل مفتٍ مبلغا عن الله، بل هو مضلل لعباد الله في أرض الله، لا أدري ما هي فائدة من يحفر عن مسائل خلافية قد أهيل عليها تراب الزمن ولا طائل من الخوض فيها.
لكأنهم مع ذلك يخوضون مع السذج من السائلين في مواقف عصرية شخصية، يا سادة يا كرام «إنما خلقنا ميسرين»، لماذا نعقد مسائل الدِين ونشدد على الناس ونبتدع ونختلق المواقف؟ ولماذا التكلف والوسوسة والسعي وراء التحريم؟ نؤجج بذلك صراع المذاهب والأديان والنتيجة نار تحرق الجميع، فالمحرمات محددة ومعروفة فلماذا الخوض فيها؟ وما بال أقوام يتنطعون ويتصدرون الفتيا وهم أقرب للجهل، حتى سادت «ثقافة الفتيا» بين العامة من الناس حتى الرجل الأمي وعامل البقالة، الجميع أصبحوا يفتون! والجواب غالبا بالتحريم المغلظ وبعضهم لا يملكون شهادات دراسية في الغالب!
خفوا علينا يا أيها الراسخون في العلم!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
