تُعرف السياسة بأنّها (فنُّ الممكن)، لكن في عصر الحروب والأزمات التي تمسك بتلابيب وطننا العربي، تحولت بشكل تلقائي إلى فنّ النفاق. وسط هذه الأعاصير التي حملت الأعوام الماضية وحتى نهايات هذا العام 2014م، هناك من يستثمر في هذه المصائب، وهم في حقيقة الأمر عبارة عن تجار حروب في لباس سياسيين، لا همّ لهم سوى المحافظة على مواقعهم حتى لو احترقت روما، فما دام هناك رزق متزايد تسوقه الحروب والصراعات المستعرة إليهم.
ينتشر النفاق السياسي في عالم اليوم باعتباره ذكاء، وللغرب نصيبه المقدّر في خلق وتسويق ذلك، ولكن يمكن أن يقتصر على الظفر بمنصب سياسي أو مكانة اجتماعية. وذلك نسبة لنشاط تيرمومتر المحاسبة في كل صغيرة وكبيرة للمحافظة على السلوك الديمقراطي. أمّا وللمفارقة فإنّ النفاق في المجتمع الإسلامي والعربي فيمكن أن يتم تأصيله وإرجاعه للتاريخ البعيد رغم التوجيه الديني بذمّ هذه الخصلة أيّاً كانت ممارستها.
مرّ التاريخ الإسلامي بفترات عصيبة، لم يكن بالإمكان فصل الجيد فيها المتمثل في القيم والأخلاق الإنسانية والتي تميز المسلم عن غيره، والرديء المتمثل في الطمع وزعزعة الثقة بين المسلمين وبث الشائعات وغيرها.
ويُعدُّ أشهر مثال للنفاق في التاريخ الإسلامي هو عبدالله بن سلول، وقد اختص القرآن الكريم المنافقين أمثاله بسورة كاملة سماها باسمهم. والقصة المعروفة تقول إنّه توجه ذات يوم أبوبكر الصديق برفقة عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب إلى بيت الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فاعترض طريقهم عبدالله بن سلول وابتدأ مديحه بأبي بكر بعد أن اعتلت ابتسامة عريضة وجهه: “مرحباً بشيخ الإسلام وسيد بني تميم وثاني اثنين إذ هما في الغار”. بعدها أقبل إلى عمر واحتضنه قائلاً: “أهلاً بمن بذل نفسه وماله لرسول الله، أهلاً بالفاروق القوي في دين الله”. وبعد أن مضى عمر، رحب ابن سلول بعلي وبالغ في مديحه مردداً: “مرحباً بسيد بني هاشم وابن عم رسول الله”. وحين انصرف الخلفاء الثلاثة عاد ابن سلول إلى رفاقه ضاحكاً وهم يتبادلونها معه فمدحه أحدهم قائلاً: “أحسنت صنعاً”. وبعد لقاء الخلفاء مع الرسول صلى الله عليه وسلم طلب منهم عدم تصديق دعواته حتى نزلت الآية “وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ” (سورة البقرة آية 14).
أما ما قاله المتنبي في كافور الإخشيدي من مدح متزلف يعكس ما يمكن أن تكون عليه النفس البشرية من وصولية ودهاء، ومقدار ما تبذله للوصول إلى مبتغاها فبعد أن تولى كافور حكم مصر، حدث زلزال هناك مما أنعش مخيلة المتنبي لينشد قائلاً: “ما زلزلت مصر من كيدٍ ألمّ بها لكنها رقصت من عدلكم طربا”.
يرتبط النفاق السياسي بتخلف الدول ونكوص حكامها عن تحقيق العدالة والتنمية لشعوبها، وهذه سمة أغلب دول العالم الثالث، ويوجد لدى الحكام المستبدين حاشية تلتف حولهم وتزيّن لهم عيوبهم وتقصيرهم، فيكون التقرّب منهم وتأييدهم بسبب الخوف من بطشهم أو الطمع في الإغداق عليهم، فتغرف جوقة المنافقين هذه من خزائن الدولة، بينما يعيش معظم مواطنيها حالة من الكفاف.
وإذا كان هناك نفاق سياسي فمن الطبيعي أن يكون قد قام على مكونات أخرى من النفاق الاجتماعي وغيرها، ولا يقتصر عمل المنافقين بوسائل الفساد من أجل ذواتهم فقط، وإنّما تنشط لديهم خاصية نسف العلاقات، سواء أكان ذلك بين أهل السلطة أو النخر في المجتمع، فيعملون على إذكاء نار الخلافات، وتدمير استقرار المجتمع وأمنه وسلامه.
قد لا يكون من المستغرب سيادة النفاق الذي ما زال يضرب مفاصل حياتنا السياسية والاجتماعية إلى الآن، بل يتزايد لدرجة تجد أنّ في كل جماعة عبدالله بن سلول خاصا بها، فيبدو أنّ ذلك نتيجة حتمية للتعقيدات على كل المستويات دينية وسياسية واقتصادية واجتماعية.