ما بين قضية فسادٍ وأُختها تقبع قضيةُ فسادٍ هي أكبر منهما إذ لا ينشأ عن المجاورة للفساد إلا فساد مثله وأشد نزوعاً مبطّناً نحو سخرية الدعوى مِن «الإصلاح» تمظهراً بالاحتفاء بها، وهم المفسدون ولكن لا يشعرون. ذلك أنّ الفساد حين يسود هيمنةً فإنّه يتعذّر عليه بالمرة أن ينتشل برافعته الناعمة «نزاهةً» ذات الملامح المخمليّة.
وليس الفساد على الحقيقة إلا اسمٌ لـ»فاعل» يتصدّر الجُمَل التي تميط اللثام عن مصدريّة «الفساد» العابر إلى المنطقة المحرّمة بأمان، وهو مَن قد خبرناهُ يتدفّق بسخاء «خيانةٍ» لا حدود لها؛ إنّه السّخاء الذي يتخطّى بهم حدود «الأمانةٍ» ديانةً وقانوناً، والذين يتذوقون المتعة في أكل «الحرام» هم الأكثر تمتعاً بـ»السفالة»؛ تلك التي كان من شأنها أن جرأتهم على تجاوز كلّ ما يمكن أن يكون مألوفاً من الطرق الساذجة لسرقة «الوطن» وأهله عادةً!
وتأسيساً على ذلك يمكن القول: إنّ الفساد تجاوز - بما كسبت أيدي الناس- مرحلةَ «الظهور» في «الوطن» برّاً وبحراً، ليتغوّل تالياً في مرحلة «التّمكين»، وهي مرحلةٌ لا تتوانى في أن تهبه بالمجانِ قوىً خارقة؛ تجعل منه «بطلاً» يُقاوم شراسة نفوذ أيّ سلطةٍ (وطنيّة) تحاول عبثاً التّحكم في إرادته ابتغاء ردعه وتكبيله بخيوط مكاشفات «نزاهة» العنكبوتيّة!
ما لكم ولهذا الكلام الذي لا يزيدكم إلا شقاءَ.. فما رأيكم إذن بحكايةٍ أوردها «ابن خلدون في مقدمته لأكثر من مرّة» فلنقرأ ملخّصها سويّةً:
(بهرام بن بهرام أحد ملوك فارس القديمة خرج ذات يوم في هدأة اللّيل الرّائق، تذكّر سيرة أسلافه، فطلب كاهن الدّين الأعظم؛ ليحدّثه عنهم. وبينما هما يمشيان، مرّا ببعض الخرابات والأطلال، فسمعا صوت بوم ينعب، ويجيبه آخر في مكان مقابل. تمنّى بهرام لو فقه منطق الطّير، فاغتنم الكاهن الفرصة، وانبرى مفسّرا حديث البوم قائلا: هذا صوت بوم ذكر طلب الزّواج من بومة أنثى، فاشترطت عليه خراب عشرين قرية مهرا لها. فأجابها: إنّ ذلك من أيسر ما يكون إذا الحال على ما هو عليه...)
فمَن استشرف مستقبله على أمل إطالة أمدِ «الفساد» فإنما يبني له «خرابةً».. هو البومة فاحذروا مجاورته.