لن تستقيم لنا معرفة بالتاريخ الثقافي والاجتماعي لأي إقليم من الأقاليم العربية والإسلامية إذا وقفنا عند حدود التاريخ العام فحسب، فمن سمات الثقافة العربية الإسلامية أنها مبثوثة في صنوف مختلفة من التآليف، وربما ظفرنا في كتاب في الأدب أو اللغة بما يجلي لنا مسألة في الفقه، أو يضيء لنا جانبًا في التاريخ.
وفي كتب البرامج والفهارس والأثبات، نقرأ أسماء الشيوخ والأقران والتلاميذ، والإجازات التي حازها هذا العالم أو ذاك، ويقف الباحث أو القارئ على نسيج ضخم من الأسماء التي تشمل العالم الإسلامي كله، وفيها نتلمس كيف أتيح لكتاب ما الشيوع والانتشار في مدة بعينها أو بلد بعينه، ثم ضمر أثره، وبزغ نجم كتاب أو عالم أو أديب، وما لم يرجع المؤرخ إلى هذا الضرب من الكتب فسيفوته قدر كبير لا يسده الرجوع إلى سواها.
يجلو كتاب «برنامج الوادي آشي»، المتوفى سنة 749هـ، أسماء الشيوخ الذين التقاهم، والمدن التي زارها، والكتب التي قرأها، وواقع الثقافة العربية الإسلامية في القرن الثامن الهجري، في عموم ديار المسلمين، أو في إقليم بعينه، وربما يصلح التمثيل بمكة المكرمة في القرن الثامن الهجري، بالرجوع إلى هذا الكتاب، لنعرف الهموم الثقافية والفكرية التي كانت تشغل عالما تونسيا قصد البلد الحرام في تلك المدة.
ينبئنا الوادي آشي بأسماء الشيوخ الذين أجازوه في مكة المكرمة، والكتب التي قرأها، ونعرف أنه قرأ كتبا في الحديث والنحو واللغة، وأنه قرأ «الرسالة القشيرية»، و«عوارف المعارف» للسهروردي المتصوف، تجاه الكعبة المشرفة.
ما الذي نستفيده من هذا القول؟إن «برنامج الوادي آشي» وسواه من الكتب التي صنفت في الفهارس والتراجم والرحلات، تجلي لنا واقعا ثقافيا واجتماعيا في بلد ما، هو مكة المكرمة، ومكانا بعينه وهو المسجد الحرام، وأن ذلك الواقع الجغرافي كان يتيح لجمهرة من الأفكار في الدين واللغة والتصوف التحاور وربما التخاصم، دون أن تلغي فكرة فكرة، وأن لكل صاحب نحلة التعبير عن رأيه في تلك البقعة من ديار المسلمين، وأنه يسمح لنا بقراءة ما طرأ على ذلك المكان باختلاف الأزمنة والوجوه والأسماء.