لا أحد يستطيع أن ينكر أهمية منبر الجمعة في تشكيل التفكير؛ فهو تأثير واضح وعميق، ولعل ذلك ينبع من استمرار توجيه هذا المنبر بشكل دوري (أسبوعي)، ومن كون أغلب المتلقين يستقبل ما يقوله خطيب الجمعة ورجل الدين بصفة عامة استقبال التسليم والقداسة.
وإذا سلّمنا أن خطيب الجمعة بشر يصيب ويخطئ، وينطلق في الغالب من منطلق شرعي بحت، وقد تغيب عنه بعض المعطيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية؛ فإنه يحتاج إلى تدريب وتأهيل وورش عمل، وتنبيه بأولوية الموضوعات الجديرة بالطرح.
وبالنظر إلى ما تردد مؤخرًا من الدعوة إلى توحيد خطبة الجمعة على مستوى المملكة، نجد أن سبب هذه الدعوة وجود تجاوزات من بعض خطباء الجمعة، وربما إصرار بعضهم على طَرْق موضوعات لا تشكل أهمية للمتلقي، ولا تمثّل إلا تفكير الخطيب ووجهة نظره، وفي الوقت نفسه ترك كثير من الأمور الشرعية والاجتماعية ذات الأهمية دون مناقشة.
والحقيقة أن فكرة توحيد خطبة الجمعة قد لا تكون ناجحة؛ إذ إن هناك كثيرًا من الخطباء الذين عُرفوا بتميز خطبهم، وتركيزهم على موضوعات شرعية واجتماعية حية، ومواكبة المرحلة من حيث اختيار الموضوعات، وطريقة عرضها، فضلا عما سيخلقه هذا الأمر لو تم تطبيقه من نمطية، حيث سيصبح الخطيب مجرد ناقل يمكن أن يغني عنه جهاز تسجيل.
ويبقى الأمر الأهم هو أن يكون هناك نشاط واضح لوزارة الشؤون الإسلامية في مجال اختيار الخطباء الجدد على وفق معايير جيدة، والعمل على إعادة النظر في تأهيل الخطباء الموجودين، ولا سيما مع وجود خطباء قضوا عقودًا في هذا المجال كانت ظروف تعيينهم بالنظر إلى أنهم كانوا الأفضل في القرية أو الحي، ومع وجود العديد من الخريجين المؤهلين حديثًا أصبح بقاؤهم في هذا المجال عبئًا عليهم وعلى المتلقين، مع ضرورة أن يكون هناك تأهيل ودورات علمية ومهنية تدريبية وورش عمل تقدمها الوزارة في جميع المدن، ويقوم بتنفيذ حقائبها التدريبية من عُرف عنهم التميز العلمي والمهني والاتزان الفكري من الخطباء، كما ينبغي أن يتم تفعيل دور (مراقبي المساجد) الذين أصبح العُرف أن دور أغلبهم صوري، وأنهم معينون على وظائف دون مهام واضحة وفعلية، ليؤدوا دور المتابعة ويقترحوا ما يمكن أن يسهم في التحسين والتطوير، ويكون هناك تقارير شهرية رسمية ومعلنة عن كل خطيب من حيث الأداء والموضوعات المطروحة، وتقويم دوري ليكون البقاء للأفضل، ولكيلا يستغل هذا المنبر الهام فيما لا يفيد.