تابعت باهتمام مقالة بعنوان «البيروقراطية تعرقل تهيئة مقرات حكومية للمعاقين» للزميلة الكاتبة بسمة محمد من الخبر وفيها من المعلومات الكثير، لكن ما ألزمني الرد عليها هو حصرية التفكير في التجهيزات الخاصة بالأبنية والمقرات، وكأن مشكلة ذوي الاحتياجات الخاصة مقتصرة فقط على هذه التهيئة وأنه في حال توفرها فإن المشاكل تحل ويصبح المجتمع أكثر سهولة.
حديثي هذا أستند فيه إلى أمرين أولهما أنني من فئة المعاقين حركيا والحمد لله، والثاني أنني أيضا خبير ومحكم دولي في سهولة الوصول الشامل، منذ أكثر من عشر سنوات وأثناء فترة اغترابي وأنا أتابع كل ما يتعلق بالمعاقين في دول العالم، ونعم أنا صاحب مقولة إنني لم أعرف كم أنا معاق حركيا إلا بعد عودتي، حيث إنني في عديد الدول التي زرتها لم أنتبه إلى إعاقتي وكنت أخدم نفسي بنفسي، والفكرة هنا ليست في نوعية أو كمية التجهيزات الإنشائية التي كانت متوفرة وحسب بل الأهم هو الوعي الفكري والثقافي الموجود في مجتمعات هذه الدول، وهو أهم ما نفتقده هنا في المملكة.
البيروقراطية الخاصة بالتهيئة للمنشآت والمقرات أمر يمكن حله وبكل سهولة خاصة وأنني مطلع على حجم التطورات الأخيرة التي شهدتها المملكة وحجم الاستعدادات التي نفذت وأقرت من أجل توفير مناخ عام مثقف وواع، وأن التوجيهات أتت من أعلى هرمية القيادة السعودية، ودليل ذلك العمل الجبار الذي يقوم به مركز الأمير سلمان لدراسات وبحوث الإعاقة واهتمام مباشر من صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز الذي في لقاءاته دائما ما يؤكد أنه مهما بلغ أي مجتمع من قوة اقتصادية ونمو سيبقى متأخرا ما دامت فئة المعاقين لم تفعل ولم تأخذ دورها الطبيعي، لأن الفكر الذي ينثره سلطان بن سلمان هو الفكر الحديث في التقييم والإدارة والذي يعتمد أنه إذا كان هناك إمكانية لتحقيق إيجابيات معينة ولم تحققها فإنها تحسب في باب الخسارة، وحسابات الربح والخسارة هنا كما ينوه لها سمو الأمير ليست مالية وحسب، وإنما متعلقة بالوطن كله ككتلة واحدة، ودور سموه كان وما زال واضحا بالمضي قدما والسعي في اتخاذ القرارات الفاعلة والمهمة التي تسهل من عملية اتخاذ وتنفيذ القرارات وآخرها إقرار تطبيق برنامج سهولة الوصول الشامل ليتم العمل عليه وتنفيذه والتعاون مع خبرات دولية ومحلية في هذا المجال، وهذا الإقرار لم يأت من فراغ، ولم يكن وليد صدفة بل احتاج إلى دراسات ومراحل تسبقه وتوقيع مذكرات تفاهم مع معظم الأجهزة الحكومية ولا يمكن تسميتها بالبيروقراطية التي تعني مصطلحا أن القرار صدر لكن التنفيذ تأخر، وهذا واقع مختلف عما يحصل معنا إذ إن كل تركيزنا كان وما زال ليس على إصدار القرارات بل على تهيئة المجتمع نفسه ثقافيا.
المرحلة الآن تسير نحو جعل برنامج الوصول الشامل كودا سعوديا بمعايير دولية عالية المستوى، والفكرة من وراء التريث في إعداد الخطط في مثل هذه الحالات أن هذه الخطط ليست للتجربة أو قابلة للتغير إن لم تنجح، لأنك حين تطلق برنامجا؛ إما أن تكون متأكدا من نجاحه تماما وإلا الأفضل ألا تطلقه، لأن كل فشل سيؤدي إلى تأخير النمو الثقافي للمجتمع.
من متابعتي لمركز الأمير سلمان وجدت أن هدفهم الرئيس هو تهيئة القطاعين العام والخاص لبرنامج الوصول الشامل لضمان تطبيقه لاحقا بمهنية واحترافية تخدم الفكرة وليس مجرد تنفيذ شكلي لأجل الإجازة والموافقة على المشروع، عندما نصل إلى مرحلة يكون فيها المجتمع مدركا لأهمية هذا الملف فإن التدخل الحكومي سيكون متلاشيا وضعيفا، لا أدافع عن الحكومة، ولكني بنفس الوقت لا أريدها أن تسعى إلى إظهار كم هي مهتمة بملفنا وبالتالي تتسرع وتكون النتائج فاشلة أو على الأقل ليست بالمستوى الذي نتمناه، لنعمل بهدوء ودقة، وحذر كبير، لأننا ننشد حاضرا أسهل ومستقبلا أكثر سهولة لنا ولمن يأتي بعدنا.
تهيئة المجتمع لذوي الاحتياجات الخاصة: منظومة عمل فكري ثم تنفيذي
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
