يعد الاستثمار في رأس المال البشري أعلى أنواع الاستثمار قيمةً، وأكثرها أهمية لتحقيق النمو الاقتصادي الحقيقي والمستدام، ولذلك تعتبر الموارد البشرية مقياساً أساسياً لثروة الأمم، وتؤكد نظريات الاستثمار في رأس المال البشري أن هناك علاقة إيجابية بين الاستثمار في التدريب والتعليم وزيادة دخل الفرد والمجتمع، ومن هذا المنطلق يجب أن يكون الاستثمار في رأس المال البشري هدفاً استراتيجياً لا يرتبط بفترة زمنية معينة، بل يجب أن يكون عملية مستمرة ومتوازنة وشاملة.
وهو ما تنبهت الحكومة إلي أهميته، فاستحدثت «برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي» الذي يعد علامة فارقة في تنمية الموارد البشرية، وإعدادها وتأهيلها في أعرق الجامعات العالمية، لتكون رافداً مهماً لدعم الجامعات والقطاعين العام والخاص، ونجح البرنامج بشهادة الجميع في تحقيق الأهداف التي أُنشئ من أجلها.
لكن الاستثمار في رأس المال البشري في الجهات والمؤسسات الحكومية بقي دون مستوى الطموح، ولم يواكب مراحل تنمية الموارد البشرية الحالية التي قد تكون الأبرز في تاريخ المملكة منذ تأسيسها، بل بقيت محدودة جداً أو ضعيفة لعوامل عدة منها:أولاً: إصرار وزارة الخدمة المدنية على أن يكون معهد الإدارة العامة الجهة التدريبية المعتمدة لموظفي الجهات الحكومية الخاضعين لنظام الخدمة المدنية، مع إدراك الوزارة أن المعهد بوضعه الراهن غير قادر على الوفاء بمتطلبات تطوير وتنمية الموارد البشرية التي تعمل عليها الحكومة.
ثانياً: عدم قدرة الجهة التدريبية الوحيدة والمعتمدة لتدريب موظفي الجهات الحكومية «معهد الإدارة العامة» على مواكبة تطور الجهاز الحكومي، وتوسعه، وتضاعف أعداد الموظفين في العقد الأخير مقارنة بأعدادهم عند إنشاء المعهد وفروعه الثلاثة (الرياض، جدة، الدمام)، فالمعهد بقي كما هو بفروعه الثلاثة -رغم مضي عقود على إنشائه- دون توسع يتلاءم أو يلبي الاحتياج المتزايد عاما تلو الآخر لتدريب موظفي الجهات الحكومية، وعمد المعهد لمواكبة الطلب المتزايد إلى تقليص مدة التدريب إلى خمسة أيام كحد أقصى، كما أن مدة معظم الحقائب التدريبية تتراوح ما بين يومين إلى ثلاثة أيام بهدف قبول أكبر عدد ممكن من المتدربين، وتغطية الاحتياجات التدريبية لمنسوبي الجهات الحكومية، ومع ذلك لا تتاح فرصة التدريب إلا لأعداد قليلة جداً من منسوبي كل جهة حكومية، علاوة على انشغال المعهد ببرامجه الإعدادية التي لا أحد ينكر جدارتها ونجاحها.
ثالثاً: ضعف برامج التدريب النسائية التي يقدمها المعهد ومحدوديتها، فلم يشفع تزايد أعداد الموظفات، والتوسع في إنشاء أقسام نسائية في معظم الجهات الحكومية وفروعها تفعيلا لقرار مجلس الوزراء في يونيو(حزيران)٢٠٠٤ القاضي بإنشاء أقسام نسائية في المؤسسات الحكومية ذات العلاقة بخدمة المرأة، في افتتاح مراكز تدريبية نسائية في فرعي جدة، والدمام، بل بقي مركز التدريب النسائي الوحيد كما هو في مقر المعهد الرئيس في الرياض، مما فوت فرصة الاستثمار في هذه الفئة التي تنمو أعدادها بشكل متواصل داخل القطاعات الحكومية.
ولأن العائد من الاستثمار في العنصر البشري وفقاً لرؤية عالم الاقتصاد «دينسون» تعادل مقدار الزيادة في الدخل الإجمالي الحقيقي، وفقاً لهذه الرؤية، وبعيداً عن الجدل الذي يحيط بكيفية قياس العائد من التعليم أو التدريب، وأن التعليم كقيمة سامية لا يمكن قياسها بالمنافع الاقتصادية فقط، فإن الاستثمار في رأس المال البشري سيحدث ديناميكية وفعالية في الجهات الحكومية، وسيرفع كفاءة موظفيها وإنتاجيتهم بما سينعكس بدوره على الناتج الإجمالي المحلي.
ولتحقيق توازن في تنمية الموارد البشرية ولتجاوز التحديات التي تواجه الاستثمار في موظفي الجهات الحكومية، فمن المناسب جداً:أولاً: افتتاح فروع جديدة لمعهد الإدارة العامة في المناطق الرئيسة، بما يمكنه من مواجهة الطلب المتزايد على برامجها التدريبية من قبل موظفي الجهات الحكومية.
ثانياً:استقلالية معهد الإدارة العامة عن وزارة الخدمة المدنية ليصبح جهة تدريبية مستقلة مما يمنحه صلاحيات واسعة، ومرونة كبيرة في التطوير.
ثالثاً: السماح للجامعات السعودية المنتشرة في مختلف المناطق والمحافظات بإقامة وتصميم برامج تدريبية لموظفي الجهات الحكومية الواقعة في مناطقها، واعتمادها من قبل وزارة الخدمة المدنية.
رابعاً: منح الجهات الحكومية صلاحية تدريب موظفيها في المراكز التدريبية الأهلية المتخصصة سواء داخل المملكة أو خارجها وفقاً لمعايير محددة تركز على الجودة وسمعة المركز التدريبي، وألا يقتصر ذلك على دورات المنظمة العربية.
الاستثمار في المال البشري في الجهات الحكومية.. إلى أين؟
محمد العوفي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
