في قصة حزينة ليست مع بني الإنسان أوقف نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ذات مرة أصحابه في سفر لهم لأجل حمامة مفجوعة، قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرُشُ فَجَاءَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ «مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا» رواه أبو داود وأحمد.
أخبر نبينا أمته أن الرب الرحيم الذي جعل الرحمة صفة عظيمة من صفاته قد عذب امرأة مؤمنة حبست هرة مسكينة حتى ماتت، فقال: «عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» رواه البخاري ومسلم.
تتسابق الرحمة مع الغضب في خصال الأنبياء، وهو مصداق قول الله تعالى في الحديث القدسي الذي يرويه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي» أخرجه البخاري.
ولا يمكن وصف الشريعة الإسلامية بالقاسية وهي التي زرعت الابتسامة في شفاه البشرية، ونزعت الغل والحقد من قلوب الناس، ومنعت الظلم والاستعباد للبشر.
ومع مرور الزمن وتعاقب الليل والنهار وموت العقلاء من الصالحين، يتباعد الناس عن نور النبوة الخالص، وتصبح آراء الناس فوق الشريعة، ويتخذ منها الناس ديناً، ثم تنسب للشريعة الرحيمة، وهناك تطفأ أنوار النبوة، وتشتعل نيران الظلم.
ومن نظر في سير الأنبياء الكرام، وجد أن أقوالهم تصدر من مشكاة واحدة، وتنطق بالحق الخالص، وتنادي بقضايا متحدة وإن اختلفت طقوس العبادات والشرائع لكل منهم.
من القضايا الجوهرية التي جاءت في الشريعة السلامية رحمة الخلق، والمناداة بأن الله تعالى هو الرحمن الرحيم، ولكن روح التعذيب وفساد الأذواق عند كثير من الناس، جعل تلك المعاني لا قيمة لها، فأصبحت الرحمة بالخلق هبة يهبها البشر لأقرانهم، وأصبح القوي يجلد الضعيف، فيتحول القاتل لمظلوم، والراشي لطالب حق، ويتحول المذنب المسكين ومقترف بعض الخطايا الخاصة بنفسه الذي أحب الله ورسوله إلى عدو الله الفاسق الملعون! ربما نتناسى أو نتغافل أنه في يوم القيامة أول من تسعر بهم النار ليس شاربي الخمر ولا الزناة ولكنهم طبقة العلماء والقراء الذين خانوا الله ورسوله، وهذا ليس من كلامي ولكنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه أهل السنن في أن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة قارئ القرآن الذي قرأه ليقال قارئ!.
في غمرة الفرح بالعلم وشرف العلماء وفضل الغرباء، ينتشي المؤمن طرباً بما أعد الله له، ولكن في طرف الطريق بعيداً عنه تماماً يقبع المئات من الخطائين والمذنبين يرجون رحمة الله مثله.
ربما قطع العابد الطريق على الخطائين وجعلهم يرجعون أو ينكصون، ربما جعل شروط المغفرة أصعب من تفتيت جبل عظيم من طفل صغير.
وهذا المعنى وهو أن البداية في الحساب والعقاب إنما تكون بحملة الشريعة الخائنين لها، والمضيعين لحدودها، هو ما عناه الناظم بقوله: «وعالم بعلمه لم يعملن...معذب من قبل عباد الوثن»، فقبل أن يرد الخطاؤون على النار، سيأتي العلماء والقراء والمجاهدون، وهناك تتم التصفية والغربلة، وسيظهر العالم الصادق الذي ما أراد بعلمه إلا الله والدار والآخرة، فدافع عن الأمة ولم يغير الشريعة ليرضي الكبراء والوجهاء، لم يبتدع ديناً خرافياً يلمع نفسه وذاته من خلاله أو يسعى لحظوظ نفسه، أو يزعم لنفسه من الكرامات والخوارق ما يفوق غيره، ولم يترك أنوار القرآن والنبوة ويتجه لكلام مذهبه وحزبه وشيخه فقط، عالم لم يجعل الدين مطية للدنيا، بل تقرب إلى الله بعلم، عالم لم يزرع الفتن في الأرض بل رحم العجماوات قبل البشر.
لمن سيكون العذاب أولاً؟
خضر بن سند3 دقائق للقراءة

حجم الخط
