لا يزيد عددهم عن 60 ألف حاج ويفضل بعضهم أداء الشعيرة سيرا على الأقدام
في ذاكرة أهل مكة قوافل الحجيج من الإبل إلى الطائرة
فهد الحربي - مكة المكرمة
لم تنقطع رحلة البشر إلى الأراضي المقدسة منذ أقام سيدنا إبراهيم قواعد البيت العتيق، لتحكي سير أقوام جاؤوا إلى مكة المكرمة من كل حدب وصوب، راجلين أو على ظهور الدواب، طوعا وخضوعا وشوقا للاستجابة للنسك والهدي الرباني الذي أكدته رسالة سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام.
داخل الأراضي المقدسة، كان أهل مكة شهودا على التوافد السنوي للحجاج، وما تحمله الرحلات من مواعظ وعبر وحكايات.
14 يوما من المدينة إلى مكة
حامد المطوع، ولد في أحضان حي الزاهر عام 1357، كان يرافق والده في الصغر، وهو ينقل الحجاج من حي الزاهر إلى الحرم والمشاعر المقدسة عبر طريق السد، وهو الطريق الذي أغلق في السبعينات، لمنع تدفق مياه السيول من جهة الشرق، والتي تنحدر منها المياه عبر الوادي وتمر بحي الزاهر وحي أم الجود لتلتقي في محافظة جدة مع السيول المنقولة من محافظة الجموم، فيتكون ما يسمى بـ»سيل الوادي»، وتم تحويل طريق الحجاج إلى شارع الحج الذي يربط الزاهر بمشعر منى مباشرة حاليا.
تفاصيل الماضي كاملة رسخت في ذاكرة المطوع، الذي يعيش حاليا في محطة متواضعة تتوسط حي الزاهر، كانت سابقا عبارة عن واد بحي الزاهر، به مجموعة آبار، تتجمع حولها الأشجار والقليل من المساكن، وكانت عبارة عن عشش وغرف من الطين كانت تسمى «قاعة»، وشكل حي الزاهر المحطة الأخيرة للقادمين من المدينة المنورة على ظهور الجمال في رحلة تستغرق 14 يوما، تحط رحالها في بطن الوادي بالزاهر، تطعم دوابها وتسقيها لتتوجه بعدها صوب الحرم أو إلى مشعر منى.
الحج سيرا على الأقدام
كان الحجاج يأتون من جميع الدول الإسلامية عن طريق العراق والشام ونجد واليمن، فكان حجاج دول البلقان ودول أخرى يتجمعون في دمشق، ثم يرحلون إلى مكة بعد عيد الفطر المبارك، فيما كان حجاج مصر يتجمعون في ميدان العباسية بالقاهرة، ويلتحق بهم حجاج ليبيا والمغرب وتونس، ليتحرك الركب الذي كان يسمى بـ»المحمل المصري»، ويتكون من الجيش ووحدات طبية تأتي للحج عن طريق العقبة.
ويتجمع أصحاب الجمال الناقلة لرحل الحجيج مع عاملين متخصصين في تربية المواشي استعدادا ليوم التروية، ومنهم من كان لديه أكثر من 30 جملا يقودها رجل واحد بمساعدة اثنين من المعاونين إلى مشعر منى فجر يوم التروية، ومنها إلى عرفات، وكان الحجاج لا يتجاوز عددهم 60 ألف حاج، يتوافدون على دفعات، وكانوا يفضلون أن يسيروا في جماعات لحماية أنفسهم ورعاية قوافلهم أثناء المسير الذي يطول لأشهر، والعديد منهم يسير على قدميه.
وبعد تأسيس الدولة السعودية الأولى ببضعة أعوام، بدأ ظهور السيارات، لتسحب البساط من تحت الدواب، وتتعهد نقل الحجاج، وفي 1366 لم تكن هناك حاجة للدواب، وذلك عقب ظهور السيارات الكبيرة من نوع «شفر»، لتتوالى بعدها موجة التطوير خلال العهد السعودي، حتى ظهرت النهضة التطويرية الحالية في النقل والمواصلات.
لم يجد العم حامد المطوع وجه مقارنة بين الماضي والحاضر، حيث أصبح الحج مجرد نزهة، وإن كان الحاج في أقاصي العالم، وهذا بفضل من الله ثم التسهيلات التي تقوم بها حكومة خادم الحرمين الشريفين في سبيل تمكين الحاج والمعتمر من أداء مناسكه بكل يسر وسهولة.
وصال بعد 65 عاما من الانقطاع
ومن جهة أخرى يشير سعود الأحمدي، القائم على أعمال مشروع إزالة السد، الذي كانت تشرف عليه إدارة المشاريع بأمانة العاصمة المقدسة، إلى أن طريق السد فتح بطول 30 مترا، بعد إزالة 70 مترا من السد، الذي يبلغ طوله الأصلي 140 مترا.
وجاءت الإزالة بعد أن أخذت السيارات مكان الجمال في نقل الحجاج، كما شكل السد فاصلا بين حيي المعابدة والعتيبية لنحو 65 عاما، ودعت ضرورة حماية المساكن من مياه السيول إلى بنائه، وأصبحت هناك منافذ من الجهتين الشرقية والغربية، تصل حي ريع ذاخر من خلال المنطقة الصناعية بحي العتيبية، بعد أن كان يفصل بينهما السد الذي أنشئ في السبعينات.
كان لإزالة السد أثر كبير في نفوس كبار السن من أهالي الحيين، حيث فصلهم عن بعضهم لمدة 65 عاما، بعد أن كانوا جيرانا يرون بعضهم كل يوم، ليجتمع أبناؤهم مجددا، وسط حرارة تقبيل كبار السن بعضهم بعضا، وهم يعتذرون عن تقصير كل منهم عن الآخر طيلة الأعوام السابقة، فرحين مستبشرين بفتح الطريق بينهم من جديد.

