الرأي
الأربعاء 29 صفر 1438 - 30 نوفمبر 2016
من المستودع إلى كابينة القيادة

قصة ملهمة للنشء، لشخصية مكية مكافحة وعصامية بمعنى الكلمة، ابن لأسرة ميسورة الحال، يعيشون في منزل طيلة العام إلا وقت المواسم، إذ يستأجره الحجاج منهم في تلك الفترة، فتذهب أسرته «النساء والأطفال» إلى المدينة المنورة لدى أحد الأقارب، ويبقى هو وإخوانه في مكة المكرمة بحثا عن الرزق مع والدهم، متنقلا بين المحلات التجارية والمطاعم في مكة المكرمة، تخرج أحمد عبدالله إبراهيم في الثانوية وتوجه إلى كلية ينبع الصناعية، وقبيل تخرجه تم قبوله في الخطوط السعودية في إدارة المستودعات، لم يكمل أحمد الدراسة والتحق بالخطوط السعودية رغبة منه في مساعدة أسرته، وبسبب ضعف المكافأة أثناء التدريب عمل مساء في أحد مقاهي الانترنت التي كانت منتشرة في تلك الفترة، لتغطية متطلبات العيش في جدة وإعانة أسرته في مكة المكرمة.

مأمور مستودع هي أول وظيفة رسمية لأحمد، كانت مهمته صرف قطع الغيار لفنيي الصيانة في مستودع صغير بالقرب من الطائرات، وخلال فترة قصيرة لمع نجمه وتم نقله إلى موقع مهم وحساس في الخطوط السعودية داخل مركز مراقبة الصيانة، مهمته الجديدة توفير قطع الغيار في أسرع وقت ممكن من أي مكان داخل المملكة أو خارجها. وفي تلك الأثناء أكمل أحمد دراسته الجامعية بالانتساب حاصلا على درجة البكالوريوس في الإدارة. لكن وفي تلك الفترة تعرض أحمد لعملية نصب كلفته استقطاع مبلغ كبير من مرتبه الشهري، تلك الفترة القاسية التي عاش أغلبها تحت ضغط الديون جائعا في بعض الليالي مستعيرا سيارة كل أسبوع من صديق وقريب وأحيانا بدون سيارة.

كل هذا وما زال ينظر عاليا، لم يستسلم أبدا للظروف الصعبة وأكمل الصعود، أخذ إجازة من عمله واقترض مبلغا كبيرا ليس لشراء سيارة سبورت أو من أجل سفر ولا حتى منزل، بل لكي يدرس الطيران في الفلبين. ثم عاد وقد حصل على رخصة الطيران. لكنه وجد نفسه أمام مرحلة قاسية جدا، مثقلا بالديون وفي نفس الوقت ما زالت تبعات عملية النصب تلقي بظلالها عليه، مرحلة من عمر أحمد أتذكرها شخصيا إذ تكالبت الهموم عليه وضاقت عليه الأرض بما رحبت، واشتد البلاء عليه لكنه كان واثقا بقرب الفرج، مؤمنا بقول الله تعالى (إِنّا لا نضيع أجر من أحسن عملا).

لم يكتف هذا الرجل الطموح بالرخصة فقط، بل واصل تعلمه للطيران عن طريق القراءة ومشاهدة الأفلام الوثائقية، حتى أصبح موسوعة في هذا المجال وخصوصا في قضايا حوادث الطيران، كنت أراه يسهر الليالي لا للتنزه أو لجلسات البلوت، بل مستمتعا مع أفلام ناشيونال جيوجرافيك الخاصة بحوادث الطيران، وهنا الفرق بين أحمد عبدالله إبراهيم وغيره من الشباب الذين حصلوا على رخصة الطيران وتوقفوا عند هذا الحد، لقد أبهر أحمد لجنة المقابلة الشخصية بحجم المعلومات التي يمتلكها عن الطيران، لم يعتمد يوما من الأيام على الواسطة بل معتمد على الله ثم على الإتقان والتميز، الكابتن أحمد عبدالله إبراهيم هو الآن يشغل وظيفة مساعد طيار على الطائرة ايرباص A320، وبحكم معرفتي الشخصية به لن تكون هذه محطة الكابتن أحمد الأخيرة.

ذكرت هذه القصة لأبنائي وها أنا أسردها لكم، متمنيا أن يقرأها الصغار قبل الكبار، والشباب (في سن المراهقة) قبل الأطفال. إن أبناءنا في حاجة لمعرفة قصص شخصيات ناجحة، سلكت طريق الكفاح والمثابرة، لا علاقة لها بأب تاجر معروف يدعي ابنه فيما بعد العصامية، ولا أب يشغل منصب وزير أو مسؤول خرج ابنه إلى الدنيا وفي فمه ملعقة من ذهب ثم يريد ابنه أن يقنعنا أنه كان في معاناة مع سيارته المرسيدس أيام الجامعة.


أضف تعليقاً