فايد العليوي

أمريكا القلقة والنزوع نحو الشوفينية

الخميس - 24 نوفمبر 2016

Thu - 24 Nov 2016

حذر المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما صاحب الأطروحة الشهيرة «نهاية التاريخ» في مقال نشرته صحيفة فاينانشيال تايمز من أن فترة الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب «ستؤذن بانتهاء العهد الذي كانت فيه الولايات المتحدة الأمريكية تشكل رمزا للديمقراطية نفسها في أعين الشعوب التي ترزح تحت حكم الأنظمة السلطوية في مختلف أرجاء العالم». ويفترض المفكر المتأمرك ذو الأصول الآسيوية أن انتقال دونالد ترامب من معسكر الليبرالية العالمية إلى معسكر القومية الشعبوية قد وقع تحت تأثير الزعيم الروسي فلاديمير بوتين.



لكن الحقيقة أن فوكوياما وفئة عريضة من النخب الفكرية والثقافية الآسيوية قد وجدت نفسها في مأزق بعد أن وقعت ضحية الدعاية الأمريكية منذ بداية الخمسينيات، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. فقبل الحرب العالمية الثانية لم تكن الدعاية الأمريكية تستهدف العالم الخارجي؛ بل بقيت أرض الأحلام للرجل الأبيض القادم من قارة أوروبا العجوز، حيث الذهب والنفط وعالم المال والأعمال والفن.



لكن بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية وجدت أمريكا نفسها قائدة عالم الرجل الأبيض الغربي أمام الشيوعية الصاعدة بقوة في مناطق البؤس والحروب في أوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا. ولأن الولايات المتحدة ورثت طرق الملاحة من بريطانيا المنهكة فقد كان لزاما عليها أن تضمن بقاء طرق الملاحة والمنافذ الحيوية بعيدة عن سيطرة البلاشفة. ومن هذا المنطلق عملت آلة الدعاية الأمريكية على مخاطبة الأعراق المختلفة وتقديم أمريكا كبلد الخلاص وأرض الأحلام. فبدأت السفارات بتقديم دورات اللغة الإنجليزية وبرامج الهجرة والجرين كارد واستقطاب العقول والأموال.



وبالفعل نجحت الولايات المتحدة وبفعل الحريات العامة في أن تكون بلد الخلاص للفئات البشرية التي عجزت عن تحقيق آمالها وتطلعاتها في أوطانها، بالتالي أصبحت أمريكا مدينة اليوتوبيا في العالم. هذا المناخ العام المتسم بالحرية والعدالة والتعددية الفكرية والثقافية في الحقيقة كان يقبع تحت هيمنة طبقة «الواسب» (البيض الإنجلو ساكسون البروتستانت)، فهي التي تهيمن على مفاصل الدولة والقضاء والجيش والأمن العام والأحزاب السياسية وحركات المجتمع المدني الرئيسة في البلاد. أما الحرية الدينية والسياسية والتعددية الثقافة فهي في الفضاء العام والمؤسسات الأكاديمية والفكرية والجامعات والمسارح ومعاهد الفنون والسينما وغيرها.



نجاح القوة الناعمة للولايات المتحدة في ظل السيادة الفكرية والسياسية والثقافية، لم تؤثر فيه حروب أمريكا التي خاضتها ضد الشيوعية في كوريا وفيتنام وغيرها. حتى بدأت الحالة الاقتصادية تؤثر على حياة المواطنين، وتغلغل الإنجيليين في المؤسسات السياسية الأمريكية لا سيما في فترة رئاسة رونالد ريجان، وتصور السياسة في ظل هيمنة عقلية النبوءات والتفسيرات الدينية لمسار تاريخ أمريكا.



وقد تعاظم نفوذ الإنجيليين سواء المحافظين التقليديين أو المتطرفين بعد وصول جورج بوش الابن وأحداث 11/‏‏9 وبدأت الدعوة للعودة لقيم الآباء والنزوع نحو تقديم أمريكا كراعي المسيحية في العالم. في كتاب «مدينة على جبل: عن الدين والسياسة في أمريكا» لطارق متري، يكشف المؤلف الذي عاش في أمريكا وحاضر في جامعاتها طويلا أن الثقافة السياسية للنخبة الحاكمة يسودها القلق على هوية أمريكا في ظل النمو الديموجرافي للأعراق اللاتينية والآسيوية والأفريقية. والمدهش أن العلمانيين والإنجيليين يتقاسمون هذا القلق على حد سواء!



فيقول: «هناك مفارقة تستحق أن يقف المرء عندها وهي أن عددا من الإنجيليين المحافظين من جهة، والعلمانيين من جهة أخرى رغم اختلافهم حول صدارة المسيحية في الهوية الأمريكية، متفقون على التخوف من التعدد الديني المتعاظم في بلادهم! من حيث خطره على شخصية أمريكا، فهي مسيحية بالمعنى الثقافي لهؤلاء، وبالمعنيين الديني والثقافي عند أولئك». هذا القلق الذي هيمن حتى على النخب السياسية الحاكمة والمؤسسات التقليدية والأسر الأرستقراطية المتنفذة فضلا عن الأفراد والهيئات الدينية تم تتويجه الآن بفوز ترامب بعد سلسلة من التحديات التي واجهها البيض في أمريكا لا سيما بعد تنامي مطالبة السود بالعدالة الحقيقية والنمو الديموجرافي للاتينيين والآسيويين. هذا القلق الذي أوصل ترامب وفريقه ونائبه مايك بينيس ممثل الإنجيليين سيعمل على تعزيز سلطة الرجل الأبيض على أرض الأحلام، والذي من المؤكد أن تكون له تداعيات على مستوى السياسة الخارجية.





[email protected]