»الابتعاث« حلم وحياة تعج بالعلم والمعرفة.. هكذا كان يعرب عنه دائما، فمنذ أن طالت يداه وظائفه المدرسية إبان المرحلة الثانوية كان يجد نفسه بين السطور رحالا لا يكل ولا يمل من ملاحقة أمنياته وحرصه على إكمال دراسته خارج المملكة.
سعود الترجمي.. شاب بات يوم ميلاده السادس والعشرين قريبا.. يسرق من ماضيه «القاسي الجميل» على حد وصفه، لحظات جعلت منه رجلا متسلحا بالعلم، شغوفا بالعمل.
«عندما تسلمت وثيقة تخرجي مفارقا بشهادة علاماتي مقاعد المرحلة الثانوية لم تنفك تلك الدقائق الأولى التي تلاحمت فيها قدماي بعتبة المدرسة تسامرني حتى اليوم، حيث انتصبت حينها على شرفة مستقبلي الجديد».. مداعبا ذاكرته يروي كيف سافر بروحه على متن طائرة لم تحمل سوى معنى واحد ظل يعيه ويترقبه طيلة سنوات دراسته «رحلة الابتعاث»، لتعيده المرحلة الخامسة منها إلى مقاعد الحيرة والانتظار، مضيفا دون تفسير «لم يتم ترشيحي».
ورأفة به قام أحد إخوته (يعمل في القطاع العسكري) بمساعدته للالتحاق ببرنامج الدفاع الجوي للابتعاث لدراسة الطيران، لكن رغبة والدته الملحة في بقائه قريبا منها كانت عائقا أمام الالتفات إلى غايته وتهميش قلقها وخوفها.
الترجمي لم يكترث للأبواب المغلقة سلفا، فعلى الرغم من إصراره على الدراسة في الخارج إلا أنه فضل قضاء وقته للبحث عن بدائل، ولأنه يهوى مجال الأعمال كان ذلك الخيار الأول لديه، فقدم وثائقه لجامعة الملك عبدالعزيز بجدة للانضمام لدارسي إدارة الأعمال، لكن يبدو أن الحظ آنذاك لم يعقد صفقة الرفقة مع هذا الشاب التائه اللاهث خلف بصيص الأمل، فبعد أن تم رفضه هنا أيضا اقترح عليه أصدقاؤه الالتحاق بمعهد التقنية الوطني الذي كان امتدادا لسلسلة صدماته حينها.
يقول «2009 أرهقني وصنع مني رجلا ناضجا، فبقدر ما أخذ مني أهداني.. بعد مدة لم تتجاوز الشهر قررت الالتحاق بالأكاديمية الدولية للعلوم الصحية التي شرعت أبوابها أمامي، فاندرج اسمي تحت أحدث المجالات (طب الطوارئ)، كونه لم يدرس إلا في أمريكا وبريطانيا وكندا وأستراليا، والسعودية هي الدولة العربية الأولى التي تدرس هذا التخصص منذ 2005».
وبعد مضي عامين ونصف العام على دراسته تفرغ الترجمي للعمل مع إخوته في مجال التعقيب، وذلك لعدم استيفائه شروط الابتعاث للمرحلة السابعة، مقررا إكمال دراساته العليا على حسابه الخاص.. يتابع: فضلت الاعتماد على نفسي وتوفير المبلغ الذي أحتاجه للسفر، حتى إنني أقدمت على بيع سيارتي التي أهداها لي أخي وكانت جل ما أملكه حينها.
آخر المهن التي عمل بها الترجمي مهنة مدير طبي بإحدى العيادات التابعة لمؤسسة مطوفي حجاج جنوب آسيا، والمخصصة لمباشرة حالات الحجاج الطارئة، حيث كان أحد المساهمين في تأسيسها.. كانت تلك المحطة الأخيرة التي صافح فيها الترجمي الماضي مستقبلا حاضره بغاية الصبا، ليقلع من مطار عصاميته نحو ما يصبو إليه، موضحا «حين تبسمت لي هيوستن الكائنة بولاية تكساس أيقنت أنني أقف على قمة حلمي، ولم أصفح للعقبات، بل اقتصصت منها بالمضي دون توقف حتى التحقت بعد خمسة أشهر من دراستي للغة ببرنامج الابتعاث».
الترجمي إحباطات 2009 قادته إلى طب الطوارئ
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
