قال تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (سورة النور 27)هذا مبدأ قرآني يقر حق الملكية وحق التصرف للإنسان فيما يملك، ويفرض على الآخر احترام ممتلكات غيره والاستئذان وإلقاء السلام قبل الدخول إلى ممتلكاتهم، وفي هذا المبدأ القرآني يتجلى احترام الإسلام لخصوصية الإنسان أيا كان جنسه أو معتقده، فالآية لم تحدد نوع البيوت المنهي عن دخولها دون استئذان أو سلام، فالمأمور محدد (الذين آمنوا) أما البيوت فعامة غير مخصصة بإيمان أو غيره، مما يلزم المؤمن باحترام خصوصيات وملكيات سواه من البشر دون تمييز بين أجناسهم أو عقائدهم.
ولا يختص هذا المبدأ بأتباع الإسلام فقط، بل هو من القيم الإنسانية المتعارف والمتفق عليها دوليا وعالميا، فقبل السفر لأي دولة يحتاج المسافر للاستئذان بطلب التأشيرة لدخول وطنهم، وهو أيضا مطلوب منه إلقاء السلام عليهم عند الوصول، وسلامه يتمثل بقبول قوانين البلد الذي سافر إليه واحترامها وعدم الخروج عليها وإن كانت لا تتفق مع ما يعتنق دينيا أو ما اعتاد عليه من عادات قومه.
أنا كمسلمة أعتبر النقاب فريضة ربانية وألتزم بها دينيا في وطني، لكني أعلم أني لن أستطيع أن أسير به في شوارع فرنسا، لذا قبل السفر إلى هذا البلد سأجهز (غرامة ارتداء النقاب) لأدفعها لهم في كل مرة أخترق فيها قانونهم الذي يمنع لبس النقاب في بلدهم، فاحترام القانون هو مؤشر تحضر، وخرقه والتعالي عليه ليس إلا همجية.
إن التحضر ليس هو تلك البدلة الأنيقة التي ارتداها ذلك البريطاني وهو يقدم إلى بلدنا، بل في احترامه لقوانين وأعراف هذا الوطن الذي منحه تأشيرة الدخول في مقابل (أن يسلم على أهلها) وسلامه هو عدم اختراق قوانينهم أو إثارة استهجانهم بأفعال وأقوال غير مقبولة لدى أهل البلد دينا وعُرْفا.
يدخل البريطاني للقسم النسائي ويقف أمام البائعة التي تم توظيفها لتبيع للنساء فقط، وحين يعترض رجل حفظ الآداب لا يعيره البريطاني أي أهمية، بل ويزيد الأمر سوءا بتوبيخ رجل حفظ الآداب وكأنه يقول «أنا بريطاني» وأنت مجرد «سعودي» لا أكثر!لقد تجنبت تسمية الرجل بـ«رجل الهيئة» أو «المحتسب» لأني لا أعده هنا محتسبا دينيا، بل هو رجل أمن حددت له الدولة وظيفة تتمثل بـ«حفظ الآداب التي تعارف عليها أهل البلد» ومنها فصل الرجال عن النساء فيما يمكن، ولأنه موظف حكومي يعمل وفق قوانين أمرته الوزارة التابع لها بتنفيذها، كان على البريطاني الوافد احترام هذا الرجل وعدم إهانته أثناء تأدية وظيفته الرسمية، والبريطاني يعلم وهو في وطنه أن إهانة وإعاقة موظف عن تأدية عمله الرسمي قضية تستدعي التحقيق والعقاب، فما الذي جعله يتجاهل هذا ويزيد عليه بتصوير رجال حفظ الآداب والامتناع عن إبراز هويته؟!أظن الإجابة تتضح فيما تلا هذه الحادثة من زيارة السفير البريطاني لأمير الرياض، وفي المدة التي استغرقها التحقيق في القضية والحكم الذي صدر على خلفيتها، فهل سمعتم أن السفير السعودي في لندن استقبل لدى أي مسؤول بريطاني في أعقاب قتل الطالبة السعودية ناهد المانع؟ وهل قرأتم عن تحقيق يستغرق يوما وبعض يوم فقط؟ وحكم يتجاهل كرامة وطن انتهكت قوانينه ويبحث عن كرامة مدعاة لوافد تعالى على قوانين البلد؟ قضية قتل مواطنة سعودية لم تمر كما مرت، وحادثة «تشابك لفظي» بين موظف سعودي ووافد بريطاني مخترق للقانون اهتزت لها السفارة البريطانية ونظرت وحقق فيها وصدر الحكم ونفذ خلال يوم ونصف يوم!هل عادت سيادة العرق الأبيض؟بعد هذه الحادثة المخزية في جبين الوطن هل سيجرؤ أي مواطن سعودي أن يبحث عن حق سلبه منه وافد بريطاني أو غربي؟قلمي هنا يبحث عن كرامة وطني لا أكثر!
في قضية الهيئة والبريطاني: أبحث عن كرامة وطن
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
