ربما كان اقتناصا ذكيا، ذلك الفعل الذي قام به (العلوي)، تجاه طريدة على قدر من إغراء الحس الروائي، وهي شخصية (زرياب) المغني، ولكن..هل استثمر العلوي هذا (القنص) لإقامة حفلة من الغناء والدهشة على شرف (الرواية)؟تشير الوقائع بأن (لا): إجابة ترسخها في وعي التلقي تراكمية الحدث الملائم لبناء السيرة الذاتية في طابعها (التاريخي)، الأكثر بعدا عن الفن وعالم الرواية، بحيث تكون التداعيات والإيحاءات الفنية لتك الأحداث باهتة..لدرجة الغياب! حيث استعرض الكاتب بصفحات قليلة حياة (زرياب) الثرية في علاقاتها بالأمراء والسلاطين، والزاخرة بالعيش في مدن كثيرة (الموصل- حلب- بغداد-دمشق- قرطبة) باختزال روائي مخل، لأن صياغة فنية حقيقية بإشباع، لواحدة من تلك المراحل/ العلاقات/ المدن/...كفيلة بإنشاء عالم روائي غارق في الحنين!(زرياب) العلوي استدعت في ذاكرتي استحضار ثلاثة أعمال روائية من باب أن (الضد يبرز حسنه الضد)، أولها (العمامة والقبعة) للهائل صنع الله إبراهيم، التي اتجه فيها الكاتب إلى ماض بعيد آخر، وهو الماضي الذي صادف دخول حملة نابليون إلى مصر، بكل ما أفضى إليه ذلك الزمن في الرواية من تداعيات متنوعة في المنظومة التاريخية والاجتماعية والثقافية في (مصر)، ليفتننا هذا الهائل بدهشة رؤية الماضي يمر بنا، ليس كطيف عابر وإنما كشريط سينمائي وثائقي أنتجته (كاميراته) المحترفة، التي (نصبها) منذ البدء على امتداد الزمن كله، والتي (مكنته) فيما بعد، من رصد مفردات مشاهد الماضي بدقة متناهية.
وثانيها رواية (زوربا) كازانتزاكس..هذه الشخصية التي استحضرها الكاتب من ماضيه (الخاص) ليصنع منها انقلابا عظيما في اللحظة الإنسانية الزاخرة بالحنين والحب والفلسفة والرؤية المغايرة للكون والإنسان والحياة، رغم أن (زوربا) لم يعش (كزرياب) في التاريخ الجمعي، ولم يرتبط بعلائق هامة مع الشخصيات البارزة في الزمن الذي عاشه، ولم ينتقل لأسباب حاسمة من المشرق إلى المغرب عبر مدن كثيرة..ولكنه مع ذلك كان (زوربا) الذي لا يشبهه (أحد)، ولا يغيب عن ذاكرة (أحد).أما ثالث الأعمال فهي رواية (خاتم) لرجاء عالم، التي صيغت بلغة موسيقية، عندما كان الشأن فيها (يتعلق) بعوالم موسيقية، وبوحدات سردية يعلو منها صوت الأنغام ممتزجا بموسيقى الروح ونداءات الكون وارتعاشات جسد (خاتم) في أقصى درجات تجليه وسموه، والأمر يرتبط بشخصية غارقة في موسيقى الكون وتراتيل الأفق!
زرياب "العلوي" موسيقى بلحن "تاريخي" رتيب!
فيصل الجهني2 دقائق للقراءة

حجم الخط
