في منتصف العام 2000 وبعد ثلاث سنوات من صدور رواية “ذاكرة الجسد” للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي، كتب الناقد التونسي كارم الشريف بصحيفة “الخبر” الأسبوعية الجزائرية، تصريحا نسبه للشاعر العراقي سعدي يوسف، بأنه الكاتب الحقيقي للرواية.
هذا الخبر الذي نقلته عن الصحيفة الجزائرية وكالة الصحافة الفرنسية، وأخذته عنها عشرات الصحف والمجلات العربية، قاد صحيفة “الشرق الأوسط” إلى المحاكم البريطانية، بتهمة التعدي على الكاتبة الجزائرية واتهامها بالسرقة الأدبية.
المفارقة أن “الشرق الأوسط” التي احتجت بنشرها للخبر منسوبا لوكالة الصحافة الفرنسية أسوة بباقي الصحف، لم يشفع لها ذلك أمام القضاء البريطاني فخسرت الدعوى، بسبب “أنها لم تتخذ خطوة جادة في سبيل التأكد من صحة المعلومة بالاتصال بالكاتبة”.
تذكرت هذه القصة وأنا أتابع ردود الأفعال المختلفة على قصة صحيفة الاندبندنت البريطانية حول «هدم قبر النبي» التي نشرتها يوم الاثنين الماضي بعد تحريفها لقصة صحيفة مكة «باحث يسجل مأخذا عقديا على وجود قبر الرسول في المسجد».
حقيقة لقد هالني حجم الفوضى وغياب المهنية الذي تسلكه معظم المؤسسات الإعلامية عند نقلها للأخبار والتقارير الصحفية من مصادر أجنبية، دون التحقق من صحة المعلومات الواردة فيها، فيوقعها في فخ بث الأخبار المغلوطة.
وليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، بل الأدهى من ذلك أن يتناول كتاب الرأي هذه المواضيع دون التأكد من معلوماتها، كجزء أساسي من «الواجب المنزلي» عند تحضيرهم لأي مقال يعد للنشر.
ولعلي أستحضر هنا بخلاف قصة “الاندبندنت” الأخيرة، قصة الـ70 مليار دولار ثروة الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، التي تداولها الإعلام على أنها حقيقة مؤكدة، فعقدت له المحاكمات وصدرت بحقه الأحكام.
ليتضح الأمر لاحقا أن المعلومة غير صحيحة نهائيا، وأن مصدر القصة صحيفة جزائرية غير معروفة نشرتها في خضم الخلاف الكروي بين البلدين.
قد يستغرب البعض هذا الحنق على حال الصحافة المحلية.
وربما يكون لهم العذر في ذلك لأنهم لم يتعودوا يوما على العمل في أجواء تحكمها أنظمة وقوانين نشر واضحة وصريحة، ولذلك عندما يشاهدون “دكاكين” الصحافة وهي تعرض بضاعة “أبو ريالين” بجانب منتجات كالفين كلاينت “Calvin Klein”، فإنهم لا يستنكرون ذلك ولا يأنفوه.
المفارقة أن وزارة الثقافة والإعلام التي تعمل جاهدة منذ سنوات على استصدار قوانين وأنظمة تعيد هيكلة المنظومة الإعلامية في المملكة، إلا أنها وإن نجحت في ضبط فوضى الصحف الالكترونية وأطرت عملها، ما زالت تعمل على نقل قوانين النشر من كونها “حسية” تخضع للتقدير والتأويل إلى “نصية” يحتكم لها الجميع.
شخصيا أجد نفسي ونفرا قليلا نقف في منتصف الطريق بين فوضى تسود الوسط الصحفي، وقناعاتنا بضرورة الدفع نحو صحافة “نظيفة”، بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، بين صحافة محترمة تمنح المعلومة وتحلل الخبر وتقدم الجديد لعامة الناس، وأخرى انتهازية قائمة على السرقة والتدليس والدفع من تحت الطاولة لتحقيق مصالح خاصة.
ليبقى السؤال، هل مسألة إصدار تشريع مكتوب تحتكم له الصحافة المحلية أمر صعب التحقيق رغم تاريخها الطويل، أم أن هناك مستفيدا من بقاء دكاكين الصحافة على حالها؟

