من الأخطاء القاتلة التي وقع فيها السياسيون الجدد في العراق، أنهم ظنوا أن نظام الحكم يمكن أن يتحول بين ليلة وضحاها من نظام دكتاتوري قمعي إلى ديمقراطي برلماني بمجرد وضع الدستور وتنظيم الانتخابات في البلاد وإنشاء برلمان وحكومة، متناسين أن هذه الآليات الديمقراطية تحتاج إلى أناس ديمقراطيين يديرونها ويجيدون استعمالها وهم ليسوا ديمقراطيين ولا يمتون إلى الديمقراطية بصلة رغم أن معظمهم عاشوا في البلدان الغربية المتقدمة لسنوات طويلة كلاجئين، يتمتعون بنعيم الديمقراطية ومزاياها الكثيرة، ولكنهم لم يكونوا مستعدين لنقل التجربة الديمقراطية الغربية إلى العراق بسبب تزمتهم الديني وانتمائهم إلى أحزاب طائفية متشددة.
وبمجرد استلامهم للحكم من الأمريكان، وإدارتهم للبلاد لأول مرة ودون سابق خبرة، وقعوا في إشكالية فكرية وسياسية غاية في الصعوبة وهي هل أنهم في قيادتهم للبلاد يعتمدون على المرجعية القانونية المتمثلة بالدستور وتوجيهات البرلمان والقوانين التي تصدر منه أم على المراجع الدينية التي يقلدونها ويقدسونها ويتبعون إرشاداتها وتوجيهاتها الدينية الملزمة؟، وقد حاول المالكي منذ توليه الحكم في 2006 أن يتجاهل أمر المرجعية الدينية ويتبع مرجعية أخرى ظل يدعو لها ويبشر بها ويحث العراقيين على الأخذ بها وهي مرجعية «الأغلبية السياسية» أي أن يؤسس لدكتاتورية حزبية يصبح فيها ائتلافه «دولة القانون» أو حزبه «حزب الدعوة» حزبا قائدا يحكم البلاد من دون منافس حقيقي أسوة بحزب البعث العربي، وقد استطاع «المالكي» بدهاء أن يحكم العراق لمدة ثماني سنوات بالأغلبية السياسية وهيمن خلالها على كل مفاصل الدولة المهمة.
وإن ترك بعض المناصب الإدارية غير المؤثرة وغير الفاعلة في صنع القرار السياسي للشركاء السياسيين لذر الرماد في العيون ولإيهام الناس بأن الحكم القائم حكم محاصصي سيئ يجب تغييره..وكثيرا ما ركز عبر إعلامه المؤثر على مساوئ سياسة «المحاصصة» التي تدعو إليها الأحزاب والكتل السنية والكردية في معرض دعوته الملحة لإلغائها، وإظهارها وكأنها السبب في تكبيله وتقييد حريته في اتخاذ القرارات المهمة التي تصب في صالح العراقيين، وهذا ليس صحيحا فحكومة المالكي لم تكن محاصصية حقيقية في يوم من الأيام، بل كانت دكتاتورية بامتياز، كل السلطات الأساسية بيد المالكي وحزبه حصرا، هو الذي يتخذ القرارات المصيرية دون الرجوع إلى البرلمان أو إلى الأحزاب المشاركة في الحكومة، وكذلك لم يكن يقيم أي وزن لتوجيهات المرجعية العليا في النجف، استحدث ما يقرب من 500 منصب تدار بالوكالة من قبله ومن قبل أعوانه وأعضاء حزبه، بحسب النائب المستقل (صباح الساعدي)، منها:ثلاث وزارات أمنية وسبع خدمية وأربع وزارات سيادية وعلى رأس هذه المناصب وزارة الدفاع والداخلية ومديرية الأمن العام والاستخبارات وجهاز المخابرات، وعندما عقد تحالفا طائفيا مشبوها مع نظام بشار الأسد المجرم وأغدق عليه من خزينة الدولة العراقية ملايين الدولارات لمواصلة حربه ضد شعبه، كان وزير الخارجية الكردي «هوشيارالزيباري» ووزير المالية الحالية «وكالة» الدكتور صفاء الدين الصافي والدكتور علي شكري وزير المالية السابق «وكالة»، آخر من يعلمون! وكذلك الأمر بالنسبة لباقي مؤسسات الدولة المهمة، كلها تتم إدارتها مباشرة من قبل المالكي وحزب الدعوة، دون أي مشاركة من جانب الكتل الأخرى، فأي توافق أو محاصصة سياسية يريد المالكي إلغاءها؟! ورغم السلطة الواسعة التي امتلكها من خلال نظام المحاصصة أو الشراكة السياسية الزائفة، فإن الرجل دعا إلى تغيير «النظام السياسي» القائم على «المحاصصة» إلى نظام الأغلبية السياسية الشبيه بنظام صدام حسين، ولم يقف عند هذا الحد بل حث رئيس الوزراء الجديد «حيدرالعبادي» على تشكيل حكومة أغلبية وعلى ألا يرضخ للضغوط أو الشحناء السياسية...وقد أدركت الأحزاب والكتل السياسية العراقية بمختلف اتجاهاتها السياسية والفكرية وأمريكا والدول الغربية والإقليمية والمرجعية الدينية خطورة دعوات «المالكي» ودوافعه في بناء دولة دكتاتورية في المنطقة، لذلك وقفت وقفة واحدة ضد محاولاته المستميتة لتولي الحكم لولاية ثالثة، لذلك اختارت «العبادي» بالإجماع ليحل محله ويشكل حكومة وحدة وطنية، تشارك فيها جميع القوى السياسية العراقية دون استثناء..والعجيب أن جميع الهيئات والمنظمات الأممية والدول العربية والغربية والإقليمية والجامعة العربية دعت القائمين على الشأن العراقي بتشكيل حكومة وحدة وطنية «تستوعب كل الطاقات وتكون فيها كل المكونات»حسب تصريح «العبادي» في أول مؤتمر له، والأخذ بعين الاعتبار خطورة المرحلة الحالية التي يمر بها العراق.
وقد يستمر نظام المحاصصة العرقية والطائفية لسنوات طويلة في العراق، نظرا لتركيبته الديموغرافية وطبيعة التكوين العرقي والديني لشعوبه التي تختلف عن طبيعة أي شعب آخر في المنطقة.
حكومة الشراكة الحقيقية في العراق
محمد واني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
