في عام 1918م علم الممثل الإنجليزي الشهير في ذلك الوقت تشارلي تشابلن عن إقامة مسابقة مخصصة لتقليد شخصيته التي اعتاد أن يؤديها في أفلام كوميدية صامتة، بشنبه الصغير وعينيه الكحيلتين وبدلته الضيقة الرثة والطاقية والعصا، ليشكل شخصية ظريفة المظهر يزيدها ظرافة مشيته وحركاته وتصرفاته، وقد قرر تشارلي تشابلن أن يشترك بنفسه في هذه المسابقة، ليس كضيف رئيسي فيها، ولكنه قرر أن يشترك سراً كأحد المشاركين الذين يحاولون تقليد تشابلن ليفوزوا بجائزة المركز الأول دون أن يبين شخصيته الحقيقية، ولكن المفاجأة أتت في نهاية المسابقة عندما اكتشف تشابلن أنه حصل على المركز العشرين! فقد كان من ضمن المشاركين من يستطيع أن يقلد تشابلن أفضل من تشابلن نفسه!أتذكر هذه القصة الطريفة كلما رأيت أحداً في مجتمعنا يحاول أن يلعب دوراً ما ليس دوره، ويبالغ في محاولة تقمصه، ويفرض على نفسه قيوده، فقد وقر في عقله وقلبه أنه هذا الشخص أو ذاك، واختار أن يشبه هؤلاء أو أولئك، حتى صار ينظر ما يفعلون ليفعل مثلهم ملغيا شخصيته الحقيقية، ضاغطا على نفسه لتلعب دورا آخر ربما يناسبه جزئيا، ولكنه يتقمصه كليا، حتى يتقنه أكثر من أهله الحقيقيين، فيكون كالذي يقلد تشابلن أفضل من تشابلن نفسه!إن من الظواهر السيئة في المجتمع سرعة التصنيف، فيصب البعض كل تركيزهم على محاولة اكتشاف هوية المرء الفكرية أو الطائفية لتصنيفه وقولبته، والحكم على آرائه، والدخول في نيته، بل وحتى توقع تصرفاته المستقبلية، وهذا تعد عجيب، ولكن الأعجب أن نرى من يمارس هذا التعدي مع نفسه! هناك من يراقب نفسه بنفس الطريقة، ويحاول الاكتشاف من شكله وتصرفاته وكلماته ما هو التصنيف الذي يناسبه، فيصنف نفسه ويجعلها في قالب معين لتشبه مجموعة أو فئة ارتأى أنه ينتمي إليها، - أو هكذا يراه الآخرون - وقبل أن يلعب هذا الدور أو ذاك، أو ربما قرر ذلك لا شعوريا، أو حكم به على نفسه، عدلا أو ظلما، ثم يبدأ هذا التصنيف الذاتي في التحكم بقناعاته، وقيمه، وتصرفاته، ونواياه، وحتى مظهره.
إن تصنيف الذات يلغي العقل، ويجعل الإنسان يقبل على ارتكاب بعض الأخطاء التي يفرضها عليه تصنيفه لنفسه، دون أن يفكر إن كان هذا صحيحا أو خاطئا، يفعل أمرا لأنه يرى نفسه منتميا لفئة أو فكر أو حتى جمهور ناد رياضي، وكأنه يردد قول الشاعر العربي:وهل أنا إلا من غزية إن غـوت غويت، وإن ترشد غزيـة أرشديبدو أن البعض يتوهم أن لعب بعض الأدوار فرض كفاية على أفراد المجتمع ينبغي على بعضهم أن يلعبه، حتى لو كان هذا الدور ضارا بالمجتمع، أو لا يناسبه أو لا يتماشى مع أخلاقه وقيمه، ولكنه أمر فرضه على نفسه، واستسلم له دون مقاومة، وما هو – في كثير من الأحيان – إلا قناع يضعه على وجهه، ويبدأ تمثيل الدور، ويبذل من الجهد والطاقة الكثير لتناسب تصرفاته قناعه، وتنسجم كلماته مع شخصيته، فهو يرى نفسه من الخارج لا من الداخل!إن ميلنا إلى فئة أو حتى انتماءنا إليها لا ينبغي أن يؤدي بنا إلى أن نطلق العنان لتصرفاتنا وأن نقلد أخطاء الآخرين ونكررها، ففطرة الإنسان كما أن فيها من القيم الراقية الخيرة الكثير، كالحب وحسن الخلق ومساعدة الآخرين، إلا أنها لا تخلو من صفات إنسانية سلبية، ورغبات ينبغي أن تضبط، كالطمع والحقد والكراهية، علينا أن نطلق العنان فقط للصفات الجميلة في شخصياتنا، والقيم الراقية في وجداننا، ونركز قدرتنا في كبح الجماح على الصفات السلبية والتخلص منها بالارتقاء بفكرنا وتطوير ذواتنا.
إن الأقنعة التي نضعها للتظاهر بأنا شخصيات أخرى، تستهلك من طاقتنا قدرا هائلا لو بذلناه لتغيير أنفسنا لتمكنا من نزعها وكلنا فخر بشخصياتنا الحقيقية، علينا أن ننزع كل الأقنعة التي تثقلنا، ونتخلص من الصفات السلبية في ذواتنا، وأن نكون أنفسنا حقا، لا أشخاصا آخرين.
تصنيف الذات
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
