كانت مصادفة مثيرة للسخرية أنني نسيت الموضوع الذي وددت الكتابة عنه هذا الأسبوع لأتذكر لاحقاً أنه عن كيفية عمل الذاكرة البشرية، ومحاولة الإجابة عن سؤال غريب هو: لماذا نستطيع أن نتذكر موقفا حصل لنا منذ سنوات، بينما نقف عاجزين إن سألنا أحدهم: ماذا تناولت على مائدة الإفطار اليوم؟لا يزال العلم عاجزاً عن فهم طريقة تخزين المعلومات في العقل البشري ثم استعادتها عند الحاجة، فقد كان الاعتقاد السائد أن جزءاً معيناً في الدماغ يقوم بعمل ملفات للمعلومات القادمة إليه عن طريق الحواس والعواطف المختلفة ، لكن تبين لاحقاً أن التذكر عملية معقدة يشارك بها أكثر من جزء من الدماغ ويتم فيها تخزين المعلومات الجديدة ومقارنتها بالمعلومات المخزنة سابقاً.
تقدر قدرة استيعاب الذاكرة البشرية للمعلومات بالرقم واحد وإلى يمينه تسعة وسبعون صفراً، لكن سهولة استخراج المعلومات منها تجعلها أكفأ من أي جهاز كمبيوتر، فإن أمسكت قلمك الآن وحاولت كتابة شيءٍ ما فأنت تستدعي معلومات جمّة تم تخزينها خلال سنوات عمرك السابقة، كطريقة إمساكك للقلم التي وإن بدت سهلة لكن تعلمها لأول مرة يأخذ وقتاً طويلاً، كما ستبدأ استحضار نقاط الموضوع المخزنة لديك من برنامج شاهدته عيناك أو محاضرة سمعتها أذناك، بالإضافة إلى طريقة كتابة الحروف والكلمات، وإلا كان لزاماً علينا أن نبدأ تعلم الحروف الهجائية كل يوم.
يمتلك البعض قدرة هائلة على استيعاب وتذكر معلومات غزيرة، فهذا وكيع القاضي سرد سبعمائة حديث بسندها ورواتها بجلسة واحدة، حتى قال عنه ابن حنبل «ما رأيت أحداً أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع»، فإن كنت تملك مثل هذه القدرة الاستثنائية فأنت محظوظ، أما إذا كانت ذاكرتك ضعيفة كذاكرة السمكة فيمكنك التدرب على الحفظ كما فعل الألماني يوهانيس مالوف الذي يؤلف قصصا ممتعة لحفظ المعلومات بشكل سريع ويعد أكثر الأشخاص حفظاً في الوقت الحاضر حتى إنه استطاع حفظ ترتيب اثنتين وخمسين ورقة لعب في لمح البصر.
أحياناً لا تكمن المشكلة في أننا لا نستطيع تذكر الأمور التي حدثت لنا، بل في عدم تركيزنا عليها أثناء وقوعها، وقد يساعدنا ذلك على انتقاء ما نود تذكره.
وقد قال نيتشه «من محاسن الذاكرة الضعيفة أن الشخص يتمتع بالأشياء الجيدة عدة مرات لأول مرة».

aalmansari@