»أنا أحاكمك من منهجك«.
»اسمح لي أن أتهمك الآن.
.
اسمع اتهامي الأول ثم أسمع دفاعك«.
»هل هي مسلمة أم غير مسلمة؟«.
»الله أكبر الله أكبر .
.
لا إله إلا الله«.
»خرجوا على إجماع الأمة«.
»إنني لا أجد فرصة لأوجه لك نصيحة الأخ لأخيه .
.
إلا في مثل هذا الموقف«.
.
.
الجمل السابقة بما حملته من ألفاظ عن المحاكمة والاتهام والدفاع والتكبير والسؤال عن العقيدة والخروج عن الأمة، لم تدر في أروقة المحاكم أو القضاء، بل كانت نماذج من مناقشة رسالة دكتوراه سعيد السريحي التي جرت فصولها عام 1408، وكانت المناقشة الأشهر في تاريخ جامعة أم القرى بمكة المكرمة.
وفي وقت يعود فيه الجدل هذه الأيام في الأوساط الثقافية والإعلامية عن دكتوراه السريحي المحجوبة منذ ثلاثة عقود، تنفرد »مكة« بنشر كامل التسجيل الصوتي للمناقشة/‏ المحاكمة، إذا ما علم أن وقت المناقشة تزامن مع حرب شعواء شنها تيار فكري على ما سمي حينه بـ»الحداثة«.
على الرغم من أن لجنة مناقشة السريحي لرسالته التي حملت عنوان «التجديد في اللغة الشعرية عند المحدثين في العصر العباسي» قد منحته الدرجة بتقدير «جيد جدا»، إلا أن حجبا تم للدرجة، بناء على توصية لمجلس الجامعة.
وعودا على المناقشة التي حدثت وقائعها بين الساعة العاشرة مساء والثالثة فجرا من يوم الأربعاء11 رمضان لعام 1408، وضمت كلا من أ.
د.
محمد مصطفى هدارة مناقشا، أ.
د.
مصطفى عبدالواحد مناقشا، أ.
د.
حسن باجودة مشرف الرسالة ومقررا، فقد تحولت إلى محاكمة علنية وحربا معلنة، حادت في كثير من مواطنها عن المسار العلمي البحثي إلى مسار إقصائي استجوابي ترصدي.
وبدا جليا الضغط الذي مورس على الطالب السريحي، لأن النقاش انطلق وباعتراف المناقشين أنفسهم من خلفية فكرية رافضة لفكر الباحث قبل أن ترفض البحث، فضلا عن كف يد مشرف الرسالة السابق الدكتور لطفي عبدالبديع، كونه أحد أهم رموز الحداثة آنذاك، ليحل محله الدكتور باجودة.
بحث السريحي، وكما هو مثبت في التسجيلات الصوتية، تمت قراءته وإعادته له ثلاث مرات قبل المناقشة الحدث، وبرغم ذلك إلا أن الجو العام بدا مشحونا، منذ اللحظة الأولى التي بدأت فيها المناقشة بآيات تلاها أحد الطلبة الحاضرين، إذ تلا «ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين.
يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون.
في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون.
وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون.
ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون.
وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون.
وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون، الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون».
وفي المقابل استهل السريحي عرضه الموجز الذي استمر خمس دقائق فقط بالقول «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء .
أبدأ».
كان التوتر سيد الموقف وفق ما توحي به التسجيلات، وحمل عبارات من قبل المناقشين ليس لها سياق في بحث ذي صبغة أدبية نقدية، يعتمد على الذائقة والوصفية، لا على الحقائق المطلقة، كقول أحدهم «لعل سعيدا قد يرى مني الآن وجها غير الذي يعرفه عني»، في أسلوب يقترب إلى التهديد، وكان الدكتور مصطفى عبدالواحد هو أبرز المهاجمين لمنهج الباحث، إذ أعلن بكل وضوح رفضه له، رابطا إياه بالتخريب والخروج على إجماع الأمة.
أما الاستهزاء فقد ظهر جليا في مناقشة السريحي، إذ تسمع الضحكات تعلو بين حين وآخر، فضلا عن محاولات الإقحام والتخطئة المتعمدة وإثبات معاداة السريحي للتراث.
ورغم أن سعيد اعتز في أكثر من موطن بتراثه إلا أن المناقشة أظهرته بمظهر المعادي له، ولا سيما حين كثرت أسئلتهم حول ضرورة استخدام المنهج الغربي في متن تراثي، أو بسؤال صريح: هل تراثنا يحتاج لمثل هذه المناهج؟!فإلى التسجيل الصوتي: