إن التصور الأنموذجي للمثقف الأصيل يقدمه كباعث أو باذر أفكار، تنطبع أفعاله وأبحاثه في الزمنية المديدة، وكمخطط لتجذر المكاسب الإيجابية الدافعة في حقل الوعي والذكاء الجماعيين، وكلها وظائف تجعل منه عضواً منتمياً بالأولى والأحرى إلى المجتمع المدني وتضعه، كما رأى ابن خلدون وفيبر وغرامشي، في مقام مخالف للسياسي، وبالتالي نقدي بإزاء السياسة والسلطة، أي أنه هذا الصوت الآخر، الذي يبني على ضوء بحثه وفكره (وليس تموقفه فقط) ما يراه من باب الحقائق، ثم يلتزم بقولها للحكم السياسي أو لهذا المجمع أو ذاك، متحلياً بالحرية والجرأة اللازمتين، وإلاّ فإنه يخل بوضعه ووظيفته كمثقف ويتنكر لهما.
قياساً إلى ذلك التصور المستخلص وفي مرآته، قد يصعب – عربياً ومغاربياً – إدراج أصناف متنوعة في وسط المثقفين: منهم مثلاً صنف الباحثين المنوغرافيين مدى الحياة، حارثي التفاصيل الدائمين؛ ومنهم صنف أشبه ما يكون بالرخويات، وهم مثقفو «ألف ليلة وليلة» والتلذذات اللفظوية ومتع النص الذاتوية؛ ومنهم صنف يمشي في ركاب الثقافة ويعيش بفضل تسخير الوسائطيات والعلاقات العامة وحتى أسلحة السياسة الخفية والعنف الرمزي، وكلها تفضي بهم إلى أسواق مقايضة المبادئ والقيم بأنشطة التربّحِ والبهرجة، وهؤلاء يكثر في دوائرهم الإمعيون والانتهازيون، متعبدو مسالك الانضباط السياسي واللغة الخشبية؛ وهناك صنف هو الأكثر عدداً، ينغمس ممثلوه في الحياد والخمول، فيقيمون في حالات سهو ولهو عن الشجون والقضايا، الثقافية منها والعامة، إنهم إجمالاً يضاجعون الخوف (و»لا حياة لمن يضاجع الخوف»، يقول المثل)، وينزعون، ولو من دون خوض معارك، إلى التقاعد المبكر والاهتمام بفلح حدائقهم الخاصة والتعلل بأفضلية الهوامش والخلوات، ويصح عليهم وصف نيتشه للمنحلين المنهارين décadents: «إنهم أناس متكسلون، تالفون، لا يخشون إلاّ شيئاً واحداً: أن يصيروا واعين». أما المثقفون الذين بمقدورهم تأسيس ثقافة نقدية فاعلة، فإنهم ينتهون في الغالب الأعم إلى تبني خطابات المداراة والمواربة أو إلى إعلانها سخطات صاخبة لا وقع لها اجتماعياً أو سياسياً ولا تأثير.
عن المثقفين
بنسالم حميش2 دقائق للقراءة

حجم الخط
