... وليس ينحصر الإرهاب والفكر الضال والأفكار الهدامة، وما حوى فلكهما من مصطلحات ومركبات لفظية أداءً وحركة؛ في الرشاش والقنابل وغيرها من أدوات الإرهاب الحركي الخشن، بل ثمة مقدمات وممهدات نظرية لذلك، ربما نتجوَّز في وصفها بالإرهاب الناعم الخفي، والمستخفي جبناً ومكراً في طيات الخطاب المداهن، المتلون بلون اتجاهات المصالح والمطامح، ذلك الخطاب الاستعلائي الإقصائي الذي يضيِّق دوائر المباح، ويخنق قناطر التعددية، ويفترض سوء النية بمخالفيه، ويزيف الوعي، ويقصي الحوار ويمجد التقليد، ويحمي الجمود والأحادية، ويغيِّب الأولويات، ويستدبر هموم وقضايا الإنسان والمجتمع والوطن، ويحمل الناس على التسليم بمنطقه، ويقصي ويجرِّم الآخرين المخالفين والمحاورين، مخالفاً بذلك فلسفة الإسلام ومقاصده العليا، ومجافياً روحه وتعاليمه، ومنحازاً إلى فهم حرفي ضيق في التلقي والتصور والتفكير.
خطاب لم يتكون فجأة، ولم يولد ويشب ويستأسد ويؤثر ويستقطب ويسود بين عشية وضحاها، بل وُلد مدللاً محفوفاً بعناصر حيوية تغذيه بالحياة، وتمنحه الحصانة والسطوة والمنعة والتأثير على مدى أربعين عاماً. خطاب لم يُختبر اختباراً حقيقياً يفرز مكوناته، ويحلل ركائزه ومنطلقاته وأهدافه. خطاب لم تنتبْه ظروف التحول والتغير. بل تراكم وتوالد وعمَّ، وظل في حماية تستميت دونه؛ في تواطؤ جمعي، خدَّرته البنية الشعارية لذلك الخطاب ودعاواه المضللة التي سلَّم لها وبها المجتمع.
خطاب لم تحكه تجارب تكشف أصالته وصحته ومواءمته للبيئة التي استعمرها، طوال تلك السنين. حتى في الظروف الطارئة الآنية التي سريعاً ما كشفت جوانب من خطورته... فتنادى أتباعه ولعبوا الدور بمهارة فائقة أعادته وأعادتهم للمقدمة.
.. وكان كلما تطاير دخانه الأسود، تداعى رموزه يعلنون النفير لطمر الدخان وتذويبه بذات الجزيئات الشعارية والمحلول الخطابي السحري بخواصه المخدرة. وكان كلما تطاير شرره؛ واكتوينا به، طفقوا يستبرئون لذممهم ويعلنون فصاماً بين المنبت والمصب، وبين الشجرة وثمرها الحامض المرير. وكان في الدخان والشرر نذير لو كان قومي يعلمون، غير أن سحابة الرخاء... كانت أطهر وأندى من الشرر، تنفث رحماتها كي لا نحترق، فيما كان الناعم جسوراً يشق له فجاجاً ومسارات، ومنصات تمكين في أرجاء الأرض ونواحيها. فشرَّق وغرَّب، وتنامى واستورد وصدَّر بيارقه السوداء وروحه السوداء، وأذرعه وذرائعه السوداء وصنائعه الأحلك سواداً. وكان خصباً تتلاقح ذراته مع جينات الأجواء والأهواء والأفكار والنفوس المهووسة بالقتل والموت والثأر من الحياة، تلك الكائنات التي تستلذ ذبح الإنسان بابتسامة المنتصر على أنبل ما في الحياة، وأكرم ما دبَّ على الأرض: الإنسان.
أربعون عاماً.. ثم كانت عوادي الزمن ومناخات الكون الملتهبة ؛ كفيلة أن تزحف على تخوم سمائنا حتى نستفيق؛ فإذا ألسنة الناعم وشفاه المتطرف- الذي كثيراً ما ضيَّق وعسَّر وبسر وبتر، ونفَّر واستعدى وكفَّر، وغطى مباهج الحياة وأشياءها وإنسانها وتعددها وتنوعها وتدافعها بلحاف أسود سميك- تعزف لنا لحن التعددية والتسامح والوطنية والاعتدال والحوار والاختلاف، وإذا الصادقون الذين كثيراً ما تحدثوا فأُسكِتوا، وحذَّروا فكذِّبوا . وجأروا فأُقصوا.. وغصوا بجمرة النبذ والإقصاء الوبيل؛ في الحيز الأضيق من المشهد. ولا تسأل حينئذ: كيف تفرز مقدمات الناعم ذاتها، نتائج ذات لونين لا جامع بينهما ؟، وضدين مختلفين لا يلتقيان؟.
ولا تسأل حينئذ كيف لم ندرك أن الناعم بخطابه الذي تضافرت كل القوى على تأسيسه وتغذيته وتكريسه ورعاية نموه وامتداداته، والذود عنه بالمناكب، يمكن أن تطيِّره حماسات متأخرة، ومواقف خطابية لحظية، ومكرر من القول والشعارات الطيارة؟
وكيف لم ندرك أن ما رُعي أربعين حولاً بمراحل وآليات وإمكانات وفعاليات واستراتيجيات منظمة، لا يمكن استئصاله إلا بإرادة ويقين وتخطيط، وبخطاب جديد يؤسَّس له بمنهجية وتكامل بين القوى ذاتها التي أنتجت سلفه النقيض الناعم، وعقد اجتماعي توافقي منظم، وليس ذلك بعسير فيما لو كان ثمة إرادة صادقة، تعيد الاعتبار للمحصورين في الظل من الصادقين والصادعين بالحق من المتابعين والوطنيين والباحثين والعلماء الحقيقيين، حتى لا يعيد الضاحكون علينا وعلى الوطن الكرَّة مرة أخرى، وينتهزوا مرة أخرى الغفلة الجماعية، التي أتاحت لهم أن يكونوا شيئاً مذكورا.