أصعب حقيقة على المرء أن يدرك أنه مخطئ، والأصعب من ذلك أن يعترف بذلك الخطأ، ورغم سمات الشجاعة التي يتصف بها مجتمعنا فإن ثقافة الاعتذار يعتبرها البعض شكلا من أشكال الضعف، رغم أن الاعتذار لا يقوم به إلا من يملك مستوى عاليا من الشجاعة الأدبية. في الفترة الماضية برزت عدة مواقف لأحد (الدعاة) كنّا نأمل أن نرى فيها تأكيده لهذه القيمة الأخلاقية السامية التي يدعو الناس إليها، ومن المؤسف أن يكون الخطأ واضحا وصريحا وعلنيا ومع ذلك يلوذ الداعية بالصمت حيناً والمراوغة حيناً آخر وكأن شيئاً لم يكن.
الموقف الأول: في رمضان في مقابلة بإحدى الفضائيات تم سؤاله عن لقائه مع هشام قنديل رئيس مجلس الوزراء في عهد مرسي؛ فأنكر اللقاء بشدة بل استنكر ذلك، فإذا باللقاء مسجل ومذاع على الفضائية المصرية وفي مكتب الرئاسة وباستقبال رسمي وتصريح إعلامي من الطرفين! ومع ذلك لم يخرج الشيخ ليعتذر من مشاهديه ولا أتباعه عن الإنكار.
الموقف الآخر عندما قام بإعادة تغريدة فيها تعريض وانتقاص بأحد القضاة وعضو بمجلس الشورى وبطريقة تخلو من التهذيب، فما كان من القاضي إلاّ أن طلب الاعتذار فقط؛ ومع ذلك لم يحرك الداعية ساكناً في الوقت الذي كنّا نأمل منه وقفة أخلاقية يكون فيها قدوة.
وفي موقف أكثر أسفا وإيلاما؛ خطب هذا الداعية في الرياض عن خطر (الشيعة) في البلاد والتحريض العلني ضدهم، وبعد أسابيع يخطب في القاهرة عن الأقباط المسيحيين ووجوب الإحسان إليهم وحض المسلمين على التسامح معهم وعدم السماح للفتنة الطائفية بأن تفرق بين أبناء الشعب الواحد! طبعاً الكلام جميل ورائع وهذا هو الأصل مع كل إنسان مسالم على الأرض، وشكرت له ذلك في وقته وسألته عبر حسابه في تويتر عن دوره في وحدة الصف الوطني في المجتمع السعودي ومتى سنرى له جهودا ملموسة؟ وإلى الآن مر أكثر من سنة لم يجاوب!
تحادثت مع أحد رموز الصحوة في الرياض بخصوص هذا الداعية ووجوب نصحه وتوجيهه وإرشاده، فالاعتذار سيزيد من شعبيته ويرفع قيمته الأدبية، ومع ذلك لم أجد من هذا الرمز الصحوي إلاّ تأييدا للداعية ومباركة لفعله، عندها علمت أن المسألة تتخطى مسألة هذا الداعية بذاته إلى كونها مسألة فكرية وأدبية عامة للتيّار الصحوي ولكل دعاته ورموزه.