إنّ أيَّ تصرفٍ -من قِبلِ مَن أُنيطت به أيّ مسؤوليّة- يأتي على خلاف ما تقتضيه: «المصلحة العامة» أو يكرّ عليها بنقضِ ما أبرم من نفعٍ متعدٍّ يطال (خيره) الجميع على حدّ سواء.. إذ يدفع -هذا التّصرف المرذول- باتجاه الاستئثار بالمنفعة أو المجارات لما في النفس من هوى الاستبداد ولما فيها من طغيان شهوة التّملك؛ فهو تصرّف باطلٌ مردودٌ. وأيّاً كان حجم الجرأة في التأول المتكلّف اشتغالاً على النحو الذي يُسوّغ لهذه الجُنَح الباطلة تصرّفا؛ فإنه عملٌ فاسد في مبناه/ ومعناه، ولا عبرة له مطلقاً لا في فقه السياسة الشرعية ولا فيما كان منها مدنيّاً!
ولقد فطن «الشافعي» قبلاً إلى أنّ ثمّة مَن يتصرّف – وسيتصرّف لاحقاً- في «المال العام» على خِلاف ما تقتضيه مسالك «المصلحة العامة» ودروبها المعتبرة شرعاً.. أقول: لقد فطن الشافعي إلى مثل هذا: «التصّرف» الباطل في (المال العام) حين لا ينأى به أصحابه بعيداً عن موارد المفسدة والضرر الذي لا يُمكن أن يزال إلا حال تُغلّبت فيه «المصلحة العامة» وَفقَ فقهياتها المتُحقّقة يقيناً بالجملة والتفصيل على أيّ مصلحة متوهّمة أو عارضة يبقى نفعها محصورا في دوائر الاستئثار الذي لا يبرح دائرة المُتصرّف ومن رتع حول حماها.. هذا التّفطن من لدن الشافعي هو من أملى عليه قوله: (منزلة الوالي مِن رعيته بمنزلة والي اليتيم من ماله) وهو قياسٌ للمقاربة في سبيل تلمّس شدّة الحاجة التي تجمع ما بين اليتيم و«الرعية» في أوجه شبهٍ قد تُعلن انحيازها أكثر لصالح «الرعية» ذلك أنّ عظِم العبْء بالنهوض في معاشاتهم وتدابير حيواتهم يقتضي تحريّا أشد واستقصاء أبلغ.
ولئن اعتبرت مقالة الشافعي هي أصل القاعدة المعروفة بـ«تصرّف الإمام على الرعيّة منوط بالمصلحة» فإن مقالة الشافعي هي الأخرى لم تكن بدعاً ذلك أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد سَبَق إلى ذلك فيما نُقل عنه قولاً وقد ظاهر ذلك عملا كما جرت عليه سيرته في الناس.
قال ابن كثير: (قال ابن أبي الدنيا حدثنا أبو خيثمة حدثنا وكيع عن سفيان وإسرائيل عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال قال عمر رضي الله عنه: «إني أنزلت نفسي من هذا المال منزلة ولي اليتيم إن استغنيت استعففت وإن احتجت استقرضت فإذا أيسرت قضيت» وفي طريق أخرى قال سعيد بن منصور حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن البراء قال قال لي عمر رضي الله عنه: «إنما أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولي اليتيم إن احتجت أخذت منه فإذا أيسرت رددته وإن استغنيت استعففت» (إسناد صحيح).
وللقاعدة شواهدها الثّرة من الكتاب والسنّة ولها تكييفها الفقهي في اجتهادات من سلف ما يعني أنّه ما مِن قلقٍ يُمكن أن يعتورنا إزاء مصالح الأمة و بالتالي اتخاذ كافة الأسباب المؤصّلة التي من شأنها النهوض بالحقوق (العامة/ والخاصة) على وجهٍ يحفظ للدولة/ وللناس أموالهم- ومصالحهم- بكثيرٍ من كرامة وبقليل من إكراهِ أي مستّبدٍ.. يتحقّق ذلك متى ما استثمرت هذه «القاعدة» بالصورة المثلى من حيث وعيها وإشاعات معاني الفقه فيها علماً وتمثلاً في سياق من أبعاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بداله الأوسع وذلك احتساباً على مَن لا يُراعي في الأمة/ والناس ما كان معتبرا من هذه القاعدة.
قال العز بن عبدالسلام في (فصل: في تصرف الولاة ونوابهم): «يتصرف الولاة ونوابهم بما ذكرنا من التصرفات بما هو الأصلح للمولى عليه درءا للضرر والفساد، وجلبا للنفع والرشاد، ولا يقتصر أحدهم على الصلاح مع القدرة على الأصلح؛ إلا أن يؤدي إلى مشقة شديدة، ولا يتخيرون في التصرف حسب تخيرهم في حقوق أنفسهم، مثل: أن يبيعوا درهما بدرهم، أو مكيلة زبيب بمثلها، لقول الله تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وإن كان هذا في حقوق اليتامى؛ فأولى أن يثبت في حقوق عامة المسلمين فيما يتصرف فيه الأئمة من الأموال العامة؛ لأن اعتناء الشرع بالمصالح العامة أوفر وأكثر من اعتنائه بالمصالح الخاصة، وكل تصرف جر فسادا أو دفع صلاحا فهو منهي عنه، كإضاعة المال بغير فائدة...).
وحيث إنّ من سلف قد أعطوا هذه القاعدة حقّها فأفاضوا كثيراً بكلامٍ يُشبه في مجمله ما نقلته قبلاً عن العزّ ما يُغني عن إعادته ثانيةً -ولينظر في مظاناته. بيد أنّ ابن تيمية كان من أكثرهم اعتناء بهذه القاعدة (السيادية) ولعلّه هو أول من تفطّن لما للقاعدة من «قيد» لا يصح أن تأتي هذه الكتابة -الموجزة- غفلا من ذكر قيد: وجوب فعل الأصلح إذ قال: «... الواجب في كلّ ولايةٍ الأصلح بحسبها...».
وبالجملة فإنّ الغاية من تناول هذا «الموضوع» ليس تناولاً فقهياً إذ إنّ لذلك موطنه.. وإنما هي محاولة في لفت النّظر لأمرٍ ما من أحدٍ إلا وله نصيب منه قلّ أو كثر فليس يصحّ إذن أن يبقى حبيس الدرس الفقهي/ أو الكتاب الجامعي.. وحسبك أنّها قاعدة أوسع بكثيرٍ من أن تكتفي باستيعاب «التصرف بالمال العام» وكلّكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته.
المال العام.. كيف يكون التصرّف به
خالد السيف4 دقائق للقراءة

حجم الخط
