ربما كانت أكثر كلمة رددها الفرقاء السياسيون في اليمن مؤخراً، هي كلمة الحوار. دخل اليمنيون حواراً وطنياً لمدة عشرة أشهر تقريباً، تمخض عن وثيقة الحوار التي صيغت في نصوص دستورية، كان مقرراً لها أن تعرض على مجلس النواب، ليوافق عليها ويحيلها للاستفتاء الشعبي، قبل أن ينقلب الحوثيون على العملية السياسية برمتها، ويضعوا رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزراءها تحت الإقامة الجبرية.
وبعد ما أسماه الحوثيون «الإعلان الدستوري» في البلاد، الذي ليس له -أساسا- مستند شرعي، أصبحت السلطة بيدهم، حيث أعلنوا عن تشكيل «مجلس وطني» يحل محل مجلس النواب الذي حلوه، ثم أعلنوا عن تشكيل «مجلس رئاسي»، يستمد شرعيته من المجلس الوطني الذي أعلنوا عنه.
بعد كل ما قام به الحوثيون من انقلاب واضح أرغم فيه الرئيس على تقديم استقالته، دعا جمال بن عمر للحوار، وهو الذي لم تصدر منه أية إدانة، ولم يحمل الحوثيين مسؤولية الخطوة التي أقدموا عليها، وكان يتعامل معهم خلال الفترة السابقة بمنتهى الليونة، خلال رفعه لتقاريره إلى مجلس الأمن الدولي. دعا ابن عمر لحوار اشترطت الأحزاب السياسية فيه أن يكون مستنداً إلى المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني، فيما يصر الحوثيون على أن يستند الحوار إلى إعلانهم الدستوري.
الحوار من حيث المبدأ جيد، والحل لا يأتي إلا بالحوار، لكن يجب أن تكون لهذا الحوار ضوابط معروفة يجري الحوار على أساسها. هذه الضوابط ينبغي أن تصب في مجرى الالتزام بالمبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار الوطني، أما أن يجري حوار في ظل تمسك الحوثيين بما أسموه إعلاناً دستورياً، وفي وقت يتمددون فيه في محافظة البيضاء، في طريقهم إلى الجنوب، فإن هذا الحوار لم يعد حواراً لاستعادة الدولة بقدر ما هو حوار لإعطاء الغطاء السياسي للحوثيين، وشرعنة انقلابهم على المؤسسات الدستورية في البلاد، وللتغطية على ممارساتهم في قمع المتظاهرين في كافة المدن التي يسيطرون عليها، وعلى تمدد مليشياتهم الميداني في المحافظات الأخرى.
يظن الحوثيون أنهم من خلال تكتيك الحوار يستطيعون أن يستمروا في المناورة لخداع الرأي العام محلياً وعربياً وعالمياً، ويستغلون حرص الأطراف الأخرى على تجنب المزيد من الانهيارات، وتجنب اندلاع الحرب الأهلية ليذهبوا بعيداً في مطالبهم وممارساتهم، كما يستغلون ليونة موقف جمال بن عمر والمجتمع الدولي للمضي قدما في مخططاتهم، ويحالون فوق ذلك تقديم أنفسهم للغرب والولايات المتحدة على أساس أنهم الوكيل الحصري لـ»الحرب على الإرهاب» في اليمن، مع أنهم عندما يشنون الحرب على تنظيم القاعدة، فإنهم لا ينطلقون من منطلق الحرب على الإرهاب، ولكنهم يقومون بذلك على أساس طائفي، وهذا يؤدي إلى تحشيد طائفي يزيد من الحرائق المشتعلة.
خلاصة الأمر، الحوار هو الحل، والحل فيه وحده، غير أن استمرار حوار القوى السياسية اليمنية مع الحوثيين، بالشكل الذي يتم به حالياً، لا يعدو كونه غطاءً سياسياً للجريمة التي قاموا بها بانقلابهم على مؤسسات الدولة، وسيؤدي بلا شك إلى عكس النتائج المرجوة.