لم تخل حملات البعض المناهضة لبرنامج الابتعاث من محاولة توسيع دائرة التشكيك به وبمخرجاته، باعتباره خطرا قادما يهدد أمن واستقرار المملكة، سواء كان التحذير من عدم استيعاب المبتعثين في سوق العمل، أم من تغير المفاهيم الأخلاقية ومحاولة التشكيك في أخلاقهم ذكورا وإناثا، بل وصل الحال بهم إلى اتهام مباشر لذوي المبتعثات بأوصاف لا أخلاقية، ظنا منهم أنهم بذلك سوف يكسرون أعمدة هذا المشروع التنموي المنير.
في الأسبوع الماضي ضجت مواقع التواصل الاجتماعي حينما تناقلت الخبر «المكذوب» عن تنصر طالبة مبتعثة متأثرة بعاملة أفريقية مع رفضها العودة إلى السعودية مع زوجها.
مصدر الإشاعة كان من أحد المغردين الذي يعرف نفسه في تويتر بمجموعة من المحاسن والفضائل، ولا أعلم أين غابت الفضيلة من اتهام فتاة مسلمة بـ «الردة عن الإسلام» دون تثبت! فالمصدر هو حدثني أحد الثقات!! بل عندما خرج الملحق الثقافي في أمريكا ليؤكد أن الخبر لا صحة له وإنما هي إشاعة مغرضة لمحاربة مسيرة الابتعاث، صمت المغرد «الفاضل» ولم يستطع مقارعة الملحقية بمصدره المزعوم، لكنه استطاع أن يشعل فتيل الفتنة والانقسام إلى أن وصل الأمر بالبعض إلى النيل من أعراض الناس وبناتهم المبتعثات.
منذ أن بدأ برنامج الابتعاث والسكاكين تشحذ لطعنه واستئصاله، من خلال ترويج القصص والأكاذيب المنسوجة من خيالاتهم الظلامية لتغليب رؤاهم الضيقة، دون مراعاة لتحري الصدق والأمانة في النقل، لكن الغاية التي يسعون إليها تبرر كل الوسائل حتى لو كانت على حساب سمعة الناس وشرفهم.
لكنني أقول لهؤلاء «موتوا بغيظكم» فعجلة الابتعاث مستمرة، فقد أضحت ثقافة عند كثير من العوائل السعودية، بعدما أيقنت أن الاستثمار الحقيقي هو في بناء عقول أبنائها وصقل مهاراتهم بأساليب علمية حديثة تتماشى مع حجم التغيرات والتطورات في العالم.
لقد عانت جامعاتنا من اختلالات عديدة أثرت في عدم قدرتها على تخريج أجيال قادرة على دفع عجلة التنمية والسير بوطنهم نحو مدارج التقدم والازدهار، بل إنها ساهمت في إيجاد بيئة خصبة لما يسمى بـ»البطالة المقنعة» والتي أوجدت الأعذار للقطاع الخاص، على أن مشكلته في عدم توظيف المتخرجين في جامعاتنا السعودية هي ضعف الكفاءة وعدم قدرتهم على مجاراة مهارات وخبرات الموظف الأجنبي.
لقد جاء الابتعاث كحل أساسي في نشوء جيل جديد يقوم على رأس المال البشري، الذي يعتمد على العقل والبحث وصناعة الأفكار والابتكار في ظل تنامي التكتلات الاقتصادية الكبرى، التي لا يمكن اختراقها أو المشاركة بها إلا بتهيئة جيل استفاد من تقنيات التقدم العلمي بكل تخصصاته.
ومن المعلوم أن مخازن تلك المعارف موجودة في الجامعات الأمريكية والأوروبية وبعض دول الشرق كاليابان والصين، التي تربط علومها ومعارفها باحتياجات سوق العمل.
إنني أكتب هذا المقال مدافعا بل مستميتا أمام كل الحملات الشرسة التي تطالب بإيقاف الابتعاث، فأنا من أوائل المستفيدين من هذا البرنامج المنير، فبفضله نمت مواهبي واستنارت أفكاري وأدركت مسؤولياتي الحقيقية تجاه وطني.
فشكرا لوالدنا الملك عبدالله على تبنيه ودعمه لاستمرار هذا البرنامج القويم «لن ينسى أبناؤك هذا الفضل لك».