تتفشى بين العديد من المواطنين ظاهرة غياب الثقافة الاقتصادية أو «الأمية الاقتصادية»، والتي هم في حاجة إليها لإدراك مغزى الأحداث الاقتصادية التي تدور حولهم وأسبابها وانعكاساتها على حياتهم.
ولا تفيد الثقافة الاقتصادية فقط في إدراك الأحداث من حولنا، بل أيضا تفيد في التحسب لخطوات مقبلة، واتخاذ قرار سليم على ضوء ما يرد من معلومات اقتصادية، قد تمثل للبعض فرصة كبرى.
وأتاحت هذه الأمية الاقتصادية المجال للآخرين استغلال الفرص، فيما أفقدته القدرة على المنافسة في مجال العمل.
عن مدى عمق ضعف هذه الثقافة أو “ الأمية الاقتصادية” وأسبابها والسبيل إلى تقويتها لدى المواطنين، أبدى لـ “مكة”عدد من المواطنين والخبراء رؤيتهم في هذا الشأن.

معرفة اقتصادية،ومحدودية في التصرف

قال الموظف في الطيران المدني وعضو في مكتب الزمازمة الموحد جمال زمزمي، بأن المواطن ليس جاهلا باقتصاديات دولته لكن جميع الأمور ليست بيده، فهو يعلم عن أسعار النفط والذهب والفضة والكيماويات لكن لا يستطيع أن يتصرف بشيء أو البيع والشراء في هذه الأمور إلا في ثلاث منها فقط وهي: الذهب والعقار والأسهم، فبيع النفط مثلا ليس في إطار إمكاناته.
وأضاف الزمزمي أن اقتصاد الإنسان يعتمد على دخله الشهري الثابت وعليه مواجهة ارتفاع جميع الأسعار سواء في شراء السيارات أو المواد الغذائية أو احتياجات ومتطلبات المنزل اليومية.

نمتلك الفرص ونفتقد استغلالها

الموظفة بأحد البنوك لأكثر من سبع سنوات فوزية الصالح، قالت لنا بأنها لم تكن تعي حجم الفرص الموجودة داخل البلاد الخليجية إلا عندما عملت في مجال البنوك والاستثمارات، وفهمت حركة السوق الاقتصادية ومدى سهولة الحصول على دخل خيالي لأي شخص يملك حتى ألف ريال أحيانا، لكن الخلل يكمن بعدم الوعي الاقتصادي للشعوب الخليجية وهو ما جعلها شعوبا تملك كل الفرص لكن لا تملك العقل الذي يستغلها على الشكل المطلوب، وأضافت الصالح أن العمالة الأجنبية لديها الوعي الكافي الذي يجعلها تستثمر داخل البنوك أكثر من أهل البلد، نظرا لمعرفتها بأنها في بلاد الأحلام وهو ما يجعلها تقبل بأي وظيفة ممكنة، المهم أن تكون في هذه الجنة الاقتصادية، حسب وصفها.
أما عن السبب في تلك الأمية الاقتصادية لأهم شعوب نفطية، رجحت بأن السبب يكمن في أن التعليم أساس مشكلات كثيرة من ضمنها أنه أخرج لنا أجيالا تفتقد للإبداع حتى في أبسط الأمور التي تملكها، كالنفط مثلا الذي هو محرك أساسي للاقتصاد ودخل الفرد وسياسات المنطقة العربية والعالم أجمع، وطالبت الصالح أن تدخل مناهج تختص في السياسة والاقتصاد في المناهج الدراسية لجميع المراحل من الابتدائية إلى الجامعة لأنها أساس يجب ألا يغفل أو يجعل منه اختيار للدراسة أو لا.

رفع الوعي يزيد من المشاركة

رئيس غرفة مكة المكرمة ماهر جمال يدعو من جهته إلى تطوير الوعي لدى المواطن السعودي، ورفع مستوى فهمه الاقتصادي حتى يمكنه لعب دور أكثر إيجابية، والمشاركة بفاعلية في دعم برامج التنمية الاقتصادية التي تنعم بها المملكة.
وقال جمال إن تعزيز الفهم الاقتصادي لدى المواطن وتصحيح مساره إلى مساهم حقيقي في حركة الإنتاج من شأنه تعظيم فرصه في اكتساب مصادر دخل عالية ومستقرة، وزيادة مستوى إسهامه في الناتج القومي، مبينا أن ذلك يتأتى من خلال استفادته من الفرص العديدة التي تتيحها الخطط التنموية المطروحة الآن على الخارطة الاقتصادية للمملكة ومشاركته بفاعلية في دعمها وتطويرها.
واستطرد قائلا: إن الساحة الاقتصادية والتجارية السعودية تعج بنشاط كثيف وتتيح فرصا لا محدودة للمواطن، غير أن أكثر المستفيدين منها هم الوافدون، مشيرا إلى أن الوافدين يسيطرون سيطرة شبه كاملة على كثير من النشاطات الاقتصادية، الخدمية منها والإنتاجية.

بعد الشباب عن التدريب أضعف إحلاله مكان الأجنبي

وأضاف التواتي أنه عندما حاولنا التعاون مع وزارة العمل لإحلال الشباب السعودي مكان الأجنبي فوجئنا بأن بعض الشباب السعودي خذلنا، لأنه لم يدرب أو يعلم بشكل صحيح، ولم تزرع فيه نفس القيم التي تعلي من شأن العمل.

الطبقة الوسطى تتآكل أمام منافسة الآخرين

وقال التواتي: الطبقة الوسطى تعد من أهم طبقات المجتمع والتي لا تدخل في حسابات الدولة اقتصاديا، كالأطباء والمحامين والمهندسين وغيرهم، أي ما يسمى عماد الاقتصاد، ويتم تجاهل وجودهم تماما عن طريق الاعتماد على الأجانب، فهذه الطبقة تتآكل لأن دخلها ضعيف مقارنة بالمنافسة الأجنبية، فيدفع بها إلى القبول بأي شيء من أجل العيش بعكس الدول الأخرى، كمثال أمريكا: هي دولة صناعية كبرى، ولا يستطيع أن يأتي أجنبي لينافس المواطن الأمريكي بكل سهولة كما نرى هنا.

الخليج واحد في نفس الأمية الاقتصادية عدا البحرين وعمان

يقول التواتي “إلى حد ما الدول التي لديها ضيق مالي أو ضيق نفطي، أي لا يوجد لديها الوفرة النفطية مثل عمان والبحرين، تجد فيها نماذج تضطر للإبداع وتضطر للتمسك بقيم العمل والسعي الحثيث لتحقيق الأهداف من خلال المثابرة، هذا نراه فقط في عمان والبحرين على وجه الخصوص”.

الإحلال خطوة لتعزيز التعليم والتدريب

ويؤكد التواتي أن عملية إحلال المواطنين بكل سلبياتهم في الوظائف باختلاف مستوياتها ستجعل منهم في مواقع تجبرهم على التعلم إلى جانب التدريب والمردود المادي المجزي.
وقال: بالإضافة إلى التركيز عليهم في التعليم من الصفر لتعزيز القيم الأخلاقية للعمل وأهميته، وهذا نفتقده في طرق التعليم لدينا، يوجد انعدام لتنمية الفرد اقتصاديا وتجهيزه لذلك من خلال التعليم.

رفض السلوك الاستهلاكي

وأعرب جمال عن رفضه السلوك الاستهلاكي الغالب في المجتمع السعودي في الوقت الذي تدور فيه عجلة الإنتاج، وتنشط التجارة ولكن في غياب ملحوظ لدور المواطن الذي يعد اللبنة الأولى في التنمية الاقتصادية المستدامة.
وعزا جمال هذا السلوك السلبي إلى ضعف مستوى الفهم الاقتصادي لدى المواطن رغم أن المملكة بفضل الله ثم بحكمة ورشد ولاة الأمر تعد من أثرى الدول على مستوى العالم وأن اقتصادها في تطور مستمر، داعيا أجهزة الإعلام إلى لعب دور مؤثر في تطوير وعي المواطن وزيادة مستوى فهمه للدور المرجو منه بالتجاوب البناء مع الأنشطة الاقتصادية بالقدر الذي يضمن له حياة اقتصادية مستقرة، ورفاهية في العيش، ويرسخ هذه المفاهيم لتسير على نهجها الأجيال القادمة.
وأشار إلى أن كثيرا من البرامج التثقيفية والتدريبية التي تتبناها غرفة مكة المكرمة، والتي تتيح للشباب الباحثين عن الفرص في مجالات التجارة والاستثمار دورات تدريبية تسهم في تطوير وعيهم ورفع مستوى مهاراتهم، وتفتح أمامهم آفاقا واسعة لبلوغ أهدافهم وطموحاتهم، مؤكدا استعداد الغرفة للقيام بدورها التوعوي والإرشادي والتدريبي من خلال لجنة شباب وشابات الأعمال، وغيرها من اللجان المتخصصة.

الاقتصاد الريعي حمل سلبيات في طياته

ذكر الكاتب الاقتصادي علي التواتي، أن فترة التحول هي فترة قصيرة فمن عاش مثلي ما قبل الطفرة الأولى كانوا يعلون من قيمة العمل، إذ كان له قيمة عالية لدى الفرد وكان يحرص الآباء على تربية أولادهم على احترام العمل وأهميته، لذلك كان الأداء الفردي مميزا وعليه وجدت الاختراعات والإبداعات، وكل ما يخطر على البال من أمور إيجابية تحيط بأي شعب من الشعوب المنتجة، أي إننا كنا شعبا منتجا، والطفرة لم تؤثر فقط على القيم الاجتماعية وإعلاء قيمة العمل وإعلاء قيمة التعليم بل أثرت على البنية الاجتماعية أو الهيكلة الاجتماعية، أصبح التميز بالمال، فالتعليم لم يعد ضروريا، لأن الشهادات صارت من الممكن أن تشترى، فنمت عليها أنماط سلوكية غريبة كلها استهلاكية لأن الاقتصاد تحول إلى اقتصاد ريعي وهو ما أثر على البيئة الاجتماعية واستقدام العمالة الأجنبية بصورة جنونية وبملايين الأفراد من عمال أو كوادر بشرية، أصبح البحث عن سرعة الإنجاز لا عن الجودة والإتقان، وعن جني الملايين لا عن مصلحة الوطن وتنميته من خلال المشاريع والنشاطات التي لها قيمة جمالية معمارية، أصبحنا فيما يشبه السباق، فالوظيفة أصبحت ضمانا اجتماعيا، فالنظرة للعمل أصبحت نظرة دونية فقط لا إبداعية، ودون أن نضيف أي شيء للاقتصاد الوطني فهي في النهاية مصدر للرزق لا أكثر وهو ما أخرج لنا أجيالا طفيلية استهلاكية تستخدم أحدث ما ينتج من منتجات العالم بل في بعض الأحيان حتى قبل أن يصدر في نفس البلد المصنع لها.