لا جدال حول حاجة المجتمع، أي مجتمع، إلى الرسائل لتدبير شؤون حياته، وهذه الرسائل تبدأ وظيفيّة الطابع، ثم تؤول إلى رسائل فنّيّة في مرحلة تالية. والمجتمع العربي في العصر الجاهلي لم يكن بدعًا من المجتمعات؛ فلا بدّ له من أن يشتمل في منظومته الثقافيّة على وجود الرسائل. ولقد أكَّد ذلك معظم الدارسين الذين تصدّوا لبحث الحياة الأدبيّة في ذلك المجتمع بصور شتّى. إذن عرف العرب في جاهليتهم الكتابة والتدوين، وكانت لديهم رسائل لكنّها ليست رسائل فنّيّة.
ولعل كثيراً من النقاش الدائر حول الرسائل الجاهليّة يُعبَّر عنه من خلال مسألة الفنون النثريّة الجاهليّة تحديدًا، فالدارسون ينقسمون حول تلك الفنون إلى فريقين؛ أوّلهما: ينكر وجود نثر فنّيّ جاهليّ؛ فبما أن القوم كانوا أميّين فأجدر بهم ألا يعرفوا النثر الفنّيّ البتّة. يقابل ذلك فريق آخر يؤيّد وجود النثر الفنّيّ بأرقى صوره في العصر الجاهليّ، فيمثّل عليه بالقرآن الكريم ذاته الذي سما فنّيًّا بلغته وتصوّراته وتقاليده وتعابيره العربيّة الأصيلة التي تنزّلت على الجاهليّين فكانت حجّة عليهم.
والحقّ أنّ الشعر هو الفنّ الأسمى لدى الجاهليين، والنثر تابع له، والشعر يتناسب وطبيعة حياتهم، ويمكن له أن يُتداول حفظاً بالرواية، لذلك لم تكن لدى القوم رسائل أدبيّة نثريّة محبّرة. فَلِمَ يقتصر فن الرسائل على المحبّر منها والمكتوب؟ وعليه فلم يلتفت الدارسون إلى الرسائل الشعريّة الكثيرة التي حفل بها العصر الجاهليّ وهي التي باتت نوعًا أدبيًّا قائمًا برأسه، فأغنت عن تحبير الرسائل النثريّة! فإذا ما علمنا أنّ القصص والأمثال والخطب كانت تُروى مشافهة، فلنا أن نقيس الرسائل عليها، ولا نقصر هذا الفن على باب النثر دون الشعر، فينقضي الأمر ويحلّ الإشكال. فالقصص لم تدوّن؛ لأنّها كانت تُروى بالمعنى دون اللفظ الدقيق، أمّا بقيّة الفنون الأخرى فشفاهيّة كما الشعر، وإذا عددنا رسائل الجاهليّة الشعريّة نوعًا جنينيًّا في الأدب العربيّ، فإنّنا نكون قد طابقنا الواقع، بأدلّة وفيرة، وشواهد غنيّة أكثر من أن تحصى أو تعد.
الرسائل الشعرية نوعًا أدبيًّا
جمال مقابلة2 دقائق للقراءة

حجم الخط
