في السعودية يطلب من المراهق فجأة، أن يكون رجلاً مكتملًا، ودون تدرج يمكنه من استيعاب المرحلة، والتنفيس عما يجيش في جوفه من ثورة هائلة، بفعل نشاط هرمونات البلوغ المشعلة لكيانه.
جسده فجأة اختلف عضويًا، ومشاعره وعواطفه تفجرت بما لم يكن يعيه مسبقًا، ومداركه تفشل عن الفهم!.
المجتمعات الأخرى تنبهت، فبادرت بتثقيف المراهق عن حالته الجنسية والفكرية والجسدية، فلا يضطر للتخمين، ولا للبحث في الخفاء!.
مراهقهم يحصل على رعاية وحرية ومتعة وملاعب، يحرق فيها نشاطه، ويبحث عن ذاته.
يسبح، يجري، يرقص، يلعب، يتزلج، يقفز، يقوي عضلاته، يبدع في الفنون، منفتحًا باحثًا عن ذاته.
أما المراهق السعودي المكبوت، فالرياضة لا تتوفر للجميع، والمجتمع يزدريها، وأصناف الإبداع والفنون نقص وعبث في نظر الأغلبية.
مسكين، فعليه العيش بمنطق وقار الكبار، وبحرية متدنية.
البعض يتصيد زلاته، ويجبره على القيام بواجباته الدينية مضاعفة، ويشدد عليه بالوعظ، ليدخل في جو من الضيق والإحباط والغضب وكراهية النفس، والمجتمع، وكل النظم والقوانين والمعتقدات، وأغلب القائمين على التربية يجربون فيه معلوماتهم التربوية والتعليمية والدينية الهشة المؤدلجة.
كثير من المراهقين جنحوا للعنف الجسدي، ووصلوا لمراحل التحرش أو الشذوذ أو الاغتصاب، والبعض تأخذه المخدرات، والبعض يدخل صومعة دينية وتنسك فلا يتمكن من الخروج منها، إلا وهو مشروع إرهابي يتمنى أن يفني مجتمعه بيده بداية بوالديه؛ ويحلم أن ينحر من يتعارض مع أفكاره المشوشة، وقد يتهيأ له معلم ظلامي يستغل إحباطه، ويجعل الدين مطية لحيرته، ويزيد الحيرة في نفسه.
وربما تتلقفه جماعة ظلامية تستغل ظروفه، وتغسل بقايا مخه بدعوى تفاهة الحياة، وتمكينه من حاجاته المسلوبة؛ فالرياضة يحولونها إلى تمارين عسكرية، والرقص والغناء يشجعونهما على وقع طبول النحر، والغضب يحولونه إلى حقد وكراهية ضد المجتمع والحكومة. الجنس يجدون له البدائل، ويقنعونه بتأجيله لحور الجنة الموعودة، والعنف يحيلونه للنحر والتفجير، وأكل للكبود.
العالم عرف العلة ودرسها، وتعامل معها، ونحن ما زلنا نتعالى ونتعامى عن الحقائق، وندّعي أن الأسباب خارجية، ولا تمت لصلابة فكرنا الديني وتشددنا المجتمعي بصلة.
وزارة التخطيط، ورعاية الشباب، وأمانات المدن، والتربية والتعليم، والجهاز الديني، ووزارة العمل، والأسرة والمجتمع سينكرون تقصيرهم بأدوارهم، وتسببهم المباشر في تحويل أبنائنا إلى إرهابيين.
وسيبادرون كعادتهم بمعالجات وعظية عشوائية، وقتية، لا عقلانية.
فمتى نصحو مما نحن فيه، ونعيد الإنسانية لأبنائنا.
المراهق ليس رجلًا مكتملًا، ولا هو بالزاهد في الدنيا، وهو بحاجة لتفريغ شحنات نشاطه المفرطة، بطرق طبيعية، وبدون أن يجد ألف من يزجره، وألف من يعاقبه، ومن يحتضنه في الخفاء ليصنع منه قنبلة موقوتة تتفجر في وجوهنا.
نحتاج إلى مؤتمر عمل حر يناقش ذلك بوجود تلك الجهات، مع نخبة من المراهقين، وجهات إعلامية وثقافية، وخبراء في علم النفس، ليتم رسم الحلول بوضوح، وبنوايا صادقة لا تملق فيها ولا تقية.