«وهل تعتقد أنه سيكون كتابا لماركيز مثلا؟».. بهذه السخرية الضمنية أجاب أحد المثقفين عن سؤالي بشأن توقعه للكتاب المقصود في الحملة الدعائية التي أقامتها إحدى الشركات خلال الأيام الماضية، و كانت تتحدث عن قرب وصول «الكتاب الأكثر انتشارا في العالم» إلى السعودية، قبل أن تكشف عنه نسبيا بالحديث عن احتوائه لثلاثة آلاف فكرة ملهمة، وعن كونه كتابا قادرا على تغيير حياة الناس.
بثقة لا تتزعزع، وعدني هذا المثقف بأنه لن يقرأ الكتاب حين يتم الكشف عنه، لم يستغرق الأمر وقتا طويلا، حيث انتهت الحملة بالكشف عن الكتاب الذي لم يكن سوى الكتيب التعريفي لمنتجات إحدى شركات الأثاث.
استغلال ومصالح استهلاكية
تباينت الآراء وردود الفعل، الأصوات في الجانب الثقافي لا تعبر عن خيبة أمل كبرى، ربما لأن الأمل لم يكبر بما يكفي ليخيب، حيث يرى مدير الحلقة الفلسفية بأدبي الرياض حمد الراشد أن التوظيف ظاهرة موجودة في أكثر من نطاق وهي إما أن تكون طبيعية في مجالات متقاربة، أو غير طبيعية عن طريق تحويل هدف أساسي كأن يستخدم الكتاب في إعلان تجاري بدلا من عدِّه مصدرا ثقافيا ومعرفيا، يضيف «هو استغلال لتنامي الحركة الثقافية واختطاف مسارها في اتجاه آخر غالبا بأدلجة تخاطب لا وعي جمعي لتحقيق مصالح استهلاكية كالذي تفعله الإعلانات التجارية بأسلوب مبالغ فيه وبينما طريقة الإعلان قد تكون مثيرة إلا أن النتيجة مثبطة».
لو كانت القراءة موضة
من جانبه، يكشف محمد العمري وهو طالب جامعي مهتم بالأدب عن تخمينه الخاص قبل كشف السر «توقعت أن الكتاب متصل بالتنمية الذاتية التي تجعل من مشكلات البشر عضلات إرادية، وتعتقد أن مجموعة من الأفكار السيئة يمكن طردها بمجرد النظر للمرآة والحديث بإيجابية».
وحول ما إذا أثبتت هذه الحملة أن الكتاب ما زال عنصرا جاذبا يمكن استخدامه في التسويق، يعلق العمري «يمكن قول ذلك فقط لو تحولت القراءة لموضة تماما كالتصوير» قبل أن يقول بأنه غير مهتم بأن يتم تسويق الكتب الأدبية بالطريقة ذاتها، معلقا «إن قال هولان إن الخمرة الجيدة لا تحتاج لإعلان، فأنا أرى الأمر نفسه بالنسبة للأدب الجيد».
أما من زاوية الناشرين، فالمعادلة واضحة، تسويق الكتب بهذه الطريقة مستحيل في ظل ارتفاع تكلفة الدعاية بمقاييس وإمكانات صناعة النشر القائمة حاليا، تابع مؤسس دار أثر للنشر عبدالله الغبين الحملة ولكنه لم يشعر بمنافس محتمل بل حلل الأمر بطريقته «في البداية، توقعتها دعاية لشركة أدوية، لم أتخيله كتابا لأنه لا يوجد كتاب في المنطقة العربية يبيع كل هذه النسخ» ورغم ذلك لا يختلف الغبين مع هذا الأسلوب في تسويق الكتب لا سيما كتب الأطفال، مشترطا في ذلك أن يكون المحتوى جيدا.
أسبقية الفكرة
ولقراءة الموضوع من جانبه المهني، يقول أحد المسوقين في إحدى شركات التسويق بالرياض أحمد الرفاعي إن هذه الحملة تعرف بالحملات التشويقية أو Teaser Campaigns والتي تتميز بالغموض والتحدي، وتطلق قبل موعد الإعلان لمنتج معين، وتهدف إلى خلق الاهتمام والفضول لدى المشاهد أو المتلقي.
ويرى أن الحملة نجحت في عامل الأسبقية نظرا لندرة الإعلان في مجتمعاتنا عن الكتب، لا يرى خيبة أمل في انكشاف الحملة عن «كتالوج» وليس كتابا تقليديا، مبررا أن فعل القراءة موجود حتى عن الأثاث وهو مجال لا يخلو بدوره من الأفكار، ويضيف «ما زلت أتمنى رؤية مثل هذه الحملات للكتب الأدبية والعلمية، لتستثير المجتمع وتحفزه على القراءة، خصوصا في ظل التوجهات الجديدة للكتب الالكترونية مقابل القراءة الورقية التقليدية».
رؤية لا يختلف معها وائل عبدالصمد الذي يرى أن الجدل المسبق والترقب الذي تخلقه أي حملة يثبت نجاحها، معتقدا أن استعمال الكتاب كان نقطة جذب للجمهور خاصة أنها أتت في موعد قريب من عودة المدارس، حيث نفض الطلاب والأهل عنهم مفردات الإجازة لتحل مكانها معاني الكتب والدراسة.
ويضيف عبدالصمد «نحن شعب متهم بأننا لا نقرأ، ولكن وبالرغم من كل ذلك ما زال للكتاب مكانته الخاصة في مجتمعنا، يعود الفضل في ذلك لأدبائنا وشعرائنا على مساحة الوطن العربي بنشر مخزونهم الفكري في كتب لا نزال نقرؤها إلى اليوم، والفرق بين كتب المعرفة وتلك التسويقية كبير جدا؛ فالأولى تسوق لنفسها بمحتواها النفيس والثانية يلزمها حملات دعائية إعلانية تكلف مئات الآلاف».
بقي فقط أن أقول إن صديقي المثقف عرف فيما بعد بسر الكتاب المرتقب، ولم يبد كثيرا من الاستغراب لأنه لم يكن متفائلا عموما، توقعت أنه يبحث عن «دولاب كتب» حيث قال إنه لن يمانع في الحصول على «الكتالوج» وحين أخبرته أن هذا يتعارض مع موقفه غير المتزعزع بعدم القراءة، أجاب فورا «لن أقرأه، سأتفرج على الصور فقط».

