تواجه غالبية دول العالم، ومن بينها السعودية متغيرات تفرض تحديات لتلبية متطلباتها من المواد الغذائية والزراعية، وأسهم في تعميق هذه المسألة الأزمة التي طالت العالم في 2007 إذ ارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل كبير مما حتم على العديد من الدول ضرورة البحث عن حلول.
استجابت السعودية للتحدي المقبل بخطوة جبارة من خلال فتح باب الاستثمار الزراعي الخارجي، وذلك لتلبية الطلب المتزايد على الغذاء من جهة ومن جهة أخرى المحافظة على المكتسبات البسيطة التي تملكها من المياه الجوفية، “مكة” من جانبها فتحت باب التساؤلات حول عمق هذه المسألة بالنسبة للأمن الغذائي في السعودية والحلول وما سيترتب عليها من أبعاد، ووجدت الإجابة في التحقيق التالي:

تغيير الاستراتيجيات

المتغيرات التي تواجهها منطقة الشرق الأوسط بما فيها السعودية تغيرات جوهرية تحتم على متخذي القرار الوقوف وإعادة النظر في العديد من الاستراتيجيات، وعلى رأسها الاستراتيجيات الخاصة بأمننا المائي والغذائي، يرى ذلك عضو مجلس إدارة الغرفة التجارية الصناعية بالرياض ورئيس لجنة الزراعة والأمن الغذائي محمد الحمادي، ويضيف المتتبع للتنمية الزراعية في السعودية يجدها مرت بمراحل تنموية مختلفة من توطين البادية وخلق مراكز للتجمعات السكانية إلى الزراعة النوعية فالزراعة العضوية وصولاً للميزة التنافسية في الأسواق المحلية والخارجية.
وذكر الحمادي بأننا نجد أن مختلف القطاعات الزراعية النباتية والحيوانية حققت قفزات كبيرة نتج عنها الاكتفاء الذاتي في إنتاج العديد من المحاصيل الزراعية ووفرت العديد من الوظائف لأفراد المجتمع، حيث تشير الإحصاءات الأخيرة لعام 2013 بأن إجمالي العاملين بالقطاع الزراعي نحو 265 ألف نسمة، كما أن إيرادات القطاع قاربت 80 مليار ريال، مما رفع مستوى درجة الأمن الغذائي وحد من التذبذبات في أسعار السلع الزراعية.


إعادة النظر

واجهت التنمية الزراعية في السعودية العديد من التحديات التي تمثلت في شح الموارد المائية وإدارة الإنتاج وتنظيم الأسواق، وتوجه حكومة السعودية إلى تقليص زراعة القمح والاعتماد على الاستيراد من الخارج لتلبية الاحتياجات المحلية من القمح وإطلاق مبادرة الملك عبدالله للاستثمار الزراعي بالخارج لتحفيز قطاع الأعمال نحو الاستثمار الزراعي بالخارج للمساهمة في تغطية الاحتياجات الغذائية في الأسواق العالمية والمساعدة في إيجاد توازنات في أسعار تلك السلع.
عضو مجلس إدارة الغرفة التجارية الصناعية بالرياض ورئيس لجنة الزراعة والأمن الغذائي محمد الحمادي يضيف حتمت هذه التحديات على السعودية إعادة النظر والتفكير في مفهومنا للأمن الغذائي من هذا المنطلق، أعدت اللجنة الزراعية والأمن الغذائي بغرفة الرياض، عددا من التقارير التي تعكس الاحتياجات المستقبلية لأهم السلع الغذائية الأساسية، والتي أظهرت وجود تحد كبير لتوفير تلك الاحتياجات والحفاظ على المستوى الجيد لأمننا الغذائي في ظل توجه الدولة نحو تقليص الزراعة بهدف الحفاظ على الموارد المائية، وهذه ما تعكسه الإحصاءات حيث انخفضت الأراضي الزراعية من 1.1 مليون هكتار في 2006م إلى نحو 0.8 مليون هكتار عام 2013، أي بنسبة 33%، والزيادة السكانية، وكذلك ارتفاع تكاليف الإنتاج عالمياً ودولياً وانتشار ظاهرة تدوير المحاصيل الزراعية الخضراء إلى وقود في البلدان المتقدمة.


البحث عن حلول

وتبين لنا الدراسات أنه في ضوء الزيادة السكانية والتي تقدر وفقاً لحساب معدلات النمو السنوي للمواطنين السعوديين والذي تم حساب بيانات تعدادي عام 1974م وعام 1992م والذي بلغ 3.71% وذلك بافتراض ثبات أعداد المقيمين غير السعوديين والبالغ عددهم 5.4 ملايين نسمة، فمن المتوقع وصول عدد السكان إلى نحو 39 مليون نسمة بحلول 2020م وبشكل متحفظ جداً حتى نكون قريبا من الواقع رغم التصريحات المفاجئة عن تعداد العمالة الوافدة مطلع هذا العام 2014م والتي تعكس حجما كبيرا غير مقدر من السكان الذين بكل تأكيد يحتاجون لتلبية طلبهم من الغذاء.
ويحتم الوضع علينا البحث عن حلول مرتكزها الحفاظ على مواردنا المائية ومكتسباتنا الزراعية ومن هذه الحلول الاستثمار الزراعي بالخارج الذي ترجمته الدولة في مبادرة الملك عبدالله للاستثمار الزراعي بالخارج مما جعلنا ندرك بأنه بات من الضروري قيام القطاع الخاص بدور فعال في رسم استراتيجيات الأمن الغذائي وبالتالي تم تشكيل لجنة الزراعة والأمن الغذائي التي تعمل على مناقشة معايير تصنيف الدول المستهدفة للاستثمار الخارجي، ومناقشة الأنماط الاستثمارية المقترحة للمستثمرين وتحديد أولوياتها في الاستثمار الزراعي ومتابعة تنفيذ مبادرة الملك عبدالله للاستثمار الزراعي بالخارج ومساندة انطلاقها في مسارها الصحيح وإعداد الدراسات والبحوث التي تعنى بهذا المجال الالتقاء بالوفود الزائرة للسعودية والمهتمة بموضوع الاستثمار الزراعي بالخارج.


محدودية الموارد

تتمحور رؤية لجنة الزراعة والأمن الغذائي ضمن رؤية خادم الحرمين الشرفين بالمساهمة في تحقيق الأمن الغذائي لمواطني السعودية والمقيمين فيها من خلال دعم الزراعة المحلية لإنتاج السلع الغذائية ذات الميزة النسبية والمتفقة مع محدودية الموارد الطبيعية بالسعودية بما فيها المياه مثل الدواجن، الألبان، البيوت المحمية، الثروة السمكية، المساهمة في توفر الغذاء في الأسواق العالمية من خلال الاستثمار في مشاريع زراعية عملاقة في دول صديقة وبيئات اقتصادية آمنة، والتأكيد على إيجاد ثقافة اقتصادية نحو تطوير استراتيجيات لخزن السلع الغذائية الأساسية.
كما سيسهم الاستثمار الزراعي بالخارج لتوليد قيم مضافة على المستوى الوطني تتمثل في ضمان تفعيل الرؤية السامية لتحقيق الأمن الغذائي، وتخفيض مستوى المخاطرة التي قد تعترض المستثمرين في الخارج من خلال توفير المعلومات والبينات، وتوفير دراسات الجدوى والأدلة اللازمة للمستثمرين في الخارج، والمساهمة في زيادة مستوى الاستقرار في الاقتصاد الوطني، وإعادة توظيف رؤوس الأموال الوطنية داخلياً وخارجياً، والحفاظ على الأصول الرأسمالية للمشروعات القائمة من خلال التكامل بين المشاريع المزمع إنشاؤها في الخارج ونظيرتها القائمة في السعودية، وإدخال صناعات جديدة للسوق السعودي مما يؤدي لزيادة القيمة المضافة والحد من الإنفاق الحكومي مما يساعد على تنظيم وتوزيع الدخل.


الاستثمار بالخارج

المشرف على كرسي الملك عبدالله للأمن الغذائي الدكتور خالد الرويس يشير إلى مساهمة بعض العوامل السياسية في الاستثمار الزراعي بالخارج منها أن الاستثمار الزراعي بالخارج سيدعم ويقوي العلاقات السياسية وبالتالي يعد من أدوات السياسة الخارجية كما أن هذا النوع من الاستثمار من شأنه نسج شراكات في مشاريع واستثمارات تمكن السعودية من استثمار فوائضها المالية بشكل أكثر احترافياً وعمقا.
ومن المعروف أن الدول العربية تستورد 40% من احتياجاتها الغذائية، وتعد الحبوب من أهم السلع الغذائية المستوردة حيث تمثل 50% مما يضعها تحت طائلة تحكمات الدول المصدرة للغذاء كما حدث من الهند وروسيا والأرجنتين وفيتنام عندما فرضت قيودا على صادراتها، وبالتالي دخول الدول المستوردة في أزمة أسعار.
كذلك من أهم العوامل السياسية الداخلية هو إيجاد خزن استراتيجي لأهم السلع الغذائية مما يساعد الحكومة على التقليل من تأثير الأزمات في الأسعار وأيضاً جودة الغذاء.
وتناول الرويس عددا من الصور الممكنة للاستثمار في الخارج حيث ذكر بأن هناك عددا من الصور التي تمت مناقشتها من صندوق التنمية الزراعي بأن يكون الاستثمار من خلال شراء حصص في شركات تنتج وتصدر السلع الغذائية الأساسية، أو الاستثمار من خلال إبرام عقود شراء طويلة الأجل من خلال جمعيات المزارعين والشركات والمصانع في البلدان المنتجة، كذلك الاستثمار المباشر من خلال تملك المشاريع.


تحفيز الأعمال وصندوق الاستثمارات العامة للمشاركة

يرى المشرف على كرسي الملك عبدالله للأمن الغذائي الدكتور خالد الرويس أن أساس ومبدأ مبادرة الملك عبدالله للاستثمار الزراعي بالخارج هو تحفيز رجال الأعمال الزراعيين نحو الاستثمار لتلبية احتياجات أسواق الغذاء العالمية وليس بالضرورة السوق المحلي فالمملكة العربية السعودية جزء من العالم وسوقها المحلي جزء لا يتجزأ من أسواقه، فيجب النظر لمن توجه للاستثمار في الخارج بأنه مستثمر ينتهج ما ينتهجه المستثمرون وسوف يلاقي مثل ما يلاقيه المستثمرون الآخرون، وما كان الدعم الحكومي إلا للحد من استنزاف الموارد المائية الناجم من التوسع في الزراعة.
وذكر الرويس بأن لجنة الزراعة والأمن الغذائي ترى بأنه من المفروض أن يكون للصناديق السعودية دور في هذا الشأن أمثال صندوق الاستثمارات العامة حيث تعمل تلك الصناديق على استثمار طويل الأجل في العديد من الدول المشمولة بمبادرة الملك عبدالله للاستثمار الزراعي بالخارج فنجد أنه من الأجدى أن يكون من ضمن شروط وبروتوكولات عقود تلك الاستثمارات توفير بيئة مناسبة للمستثمرين السعوديين وحصولهم على خدمات جيدة تساند مشاريعهم، وهذا معمول به في العديد من تلك الدول.


متطلبات الزراعة بالخارج ومعوقاتها

حول متطلبات الاستثمار الزراعي بالخارج المشرف على كرسي الملك عبدالله للأمن الغذائي الدكتور خالد الرويس يرى بأن لجنة الزراعة والأمن الغذائي تسعى لتفعيل دور مكتب مبادرة الملك عبدالله للاستثمار الزراعي بالخارج والتواصل مع القائمين عليه ولعل إطلاق وزارة الزراعة لموقع المبادرة ساهم وبشكل كبير في توفير كم هائل من المعلومات الخاصة بالمبادرة وكذلك ما سبق من قيام صندوق التنمية الزراعية بإعلان متطلبات وشروط الاستثمار الزراعي بالخارج وآليات دعمه في ظل المبادرة.
ومن أهم المعوقات والمشاكل التي تعترض مبادرة الملك عبدالله للاستثمار في الخارج هو ضعف البنية التحتية في الدول المستضيفة للاستثمارات السعودية بالخارج، الموقف الذي دفع اللجنة إلى نقل أهمية تحسين البنية التحتية لتلك الدول من خلال الوفود الزائرة وطلب استعراض خطط التنمية في الأجل القصير لمعرفة مدى توفر الإمكانات لإقامة تلك الاستثمارات، كذلك النظم والتشريعات المتبعة داخل تلك الدول وأهمية أن تكون البيئة النظامية والمقاضاة واضحة ولا ينتابها غموض، كما أن اللجنة وجدت مشاكل جمة في حركة الأموال بين السعودية وتلك الدول ومشاكل فروقات صرف العملة وما زالت اللجنة تولي تلك المشاكل الكثير من الاهتمام لتعددها واختلاف حدتها من دولة لأخرى.
أما بشأن الدورات الاقتصادية على المدى البعيد، فتعود لدورة الأسعار، فلا ارتفاع مطلقا كما لا انخفاض مطلقا، ووفقا لذلك فإن مصير الاستثمارات في حال تراجع أسعار السلع المنتجة، قد تصبح تكلفة إنتاجها أعلى من شرائها.


الاستثمار الزراعي الخارجي ضرورة

يرى عضو غرفة الرياض محمد الحمادي أن الاستثمار الزراعي الخارجي يعد ضرورة ملحة للسعودية لعدة أسباب وعوامل منها العوامل الاقتصادية حيث تعاني السعودية من المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها بعض دول العالم الغنية والأخرى ذات الاقتصاديات الناشئة في ندرة الموارد المائية والأراضي الصالحة للزراعة والمصحوبة في نفس الوقت بتزايد عدد السكان وبالتالي زيادة الطلب على الموارد الغذائية وارتفاع الأسعار، وعلى النقيض تماماً توجد دول تتمتع بإمكانيات مائية ولديها مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة، لكنها عاجزة عن استغلالها نظراً لندرة مواردها المالية والتقنية.
وأسهم ازدياد كميات المياه المستخدمة في الزراعة في السعودية خلال العقود الثلاثة الماضية بنسب كبيرة مما يعني أن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء سيكون على حساب الموارد المائية، خاصة إذا كانت غير متجددة كما هو الحال في السعودية، وبالتالي فإن التوجه للاستثمار الخارجي يعد حلاً مثالياً لهذه المشكلة التي أصبحت هاجس العديد من الدول، كما أن فرصة استيراد عمالة للعمل في القطاع الزراعي بالسعودية بأجور منخفضة كما كان الحال في العقدين الماضيين لم يعد متوفرا في ضوء التشريعات والنظم العمالية الجديدة وبالتالي فإن الاستثمار الزراعي في الخارج من أدوات تقليص العمالة الوافدة ومن ثمار السيطرة على معدل البطالة في السعودية، كما أن توجه الحكومة للحد من المشاريع الزراعية وبالذات التقليدي منها سوف يؤدي إلى تعطيل عمل كثير من المعدات الزراعية والتي تصنف من المال العاطل المعرض للهدر بسبب تقادم الزمن لذا فإن السماح بتصدير تلك المعدات لاستخدامها في المشاريع الزراعية بالخارج سيؤدي لتشغيلها واستثمارها.