في أعقاب تصريح الرئيس الأمريكي باراك أوباما بأنه لا يملك خطة أو استراتيجية حتى الآن لمواجهة داعش، توجهت مجلة بولتيكيو الأمريكية إلى 6 من القادة العسكريين في البنتاجون والكونجرس والمفكرين الاستراتيجيين في مجال الدفاع لوضع تصور في شكل مقترحات عما ستفعله الولايات المتحدة حيال داعش.
1 - القصف الجوي للدولة الإسلامية
يؤكد اللواء المتقاعد في الدفاع الجوي الأمريكي تشارلز دنلاب أن بعض الشرور في هذا العالم لا يمكن أن تتوقف إلا بالقوة، وداعش تمثل اليوم أحد هذه الشرور، لذا فإذا أمر الرئيس أوباما بالقصف الجوي القوي والمستمر ربما تجد قوات داعش نفسها في العراء والتشرذم والقلق الذي يكسر صلابة مقاتليها فضلا عن شعورهم بأن هناك قوة عسكرية أشرس منهم، مضيفا أن الرأي الذي يقول بأن الضربات الجوية لا يمكن أن تفعل الكثير أمام الإرهاب المتحول، مردود عليه لأن أسلوب داعش يتميز بالغرور ويسعى إلى التحدي وخلق الخصوم على الأرض، وليس اتباع التكتيكات الإرهابية الأخرى في الكر والفر كما هو الحال في العراق سابقا وأفغانستان للإفلات من الضربات الجوية، إلى جانب أن داعش تميل للعمل في العلن فضلا عن إدارة الأراضي التي استولت عليها، كما أن الضربات الجوية الأمريكية سوف تكون جحيما لا تتوقعه قوات داعش حيث سيجري اصطيادهم من فوق كالفئران مما سيثير في نفوسهم نزعة الخوف البدائي وهو نوع من التأثير النفسي سيجبرهم على كيفية الانشغال بالبقاء على قيد الحياة لا الاستمرار في تحقيق أحلامهم في دولة الخلافة.
ويختم حديثه بأن الأهم من ذلك هو أن القصف الجوي سيجنب أمريكا وضع الأحذية على الأرض أو الحرب البرية كما وعد سابقا الرئيس أوباما، لكن يمكن أن يسند هذا الدور للقوات المحلية العراقية بعد أن تمهد الضربات الجوية الدقيقة الأرض أمامها حيث تجبر العدو على التخلي أولا عما احتله من أراض فضلا عن تفرقته وتشرذمه.
2 - ضرب العدو وتسليح الثوار
السيناتور الجمهوري جون ماكين، الذي دعا في الكونجرس منذ وقت مبكر إلى المساعدة العسكرية للثوار والجيش السوري الحر وإلى الضربات الجوية ضد الإسلاميين في سوريا، وصف صعود الدولة الإسلامية في العراق والشام بأنه أكبر تهديد، منذ نهاية الحرب الباردة، لأمن الولايات المتحدة التي ينبغي أن تستهدف داعش من الجو في كل من العراق وسوريا، وأن تسلح في نفس الوقت البشمركة الأكراد، متهما البيت الأبيض وكلا من أوباما وتشاك هاجل ومارتن ديمبسي رئيس الأركان المشتركة بالتردد في مواجهة تهديد داعش والسير إلى الخلف، معتبرا ذلك انقلابا كاملا وتراجعا مشينا عن مواجهة الإرهاب.
3 - استئصال الأيديولوجية المتطرفة
تهديدات داعش سوف تدفع أوباما حتما للعمل العسكري، لكن استراتيجية الولايات المتحدة لمواجهة داعش يجب أن تكون شاملة وأكثر قوة من العمل العسكري نفسه، ذلك ما ذكره دوجلاس فيث مدير مركز استراتيجيات الأمن القومي في معهد هادسون، معتبرا أن السمة البارزة للدولة الإسلامية في العراق والشام تتمثل في الأيديولوجيا التي يعتنقها المتطرفون الدينيون، الذين يمارسون أفعالهم الإجرامية بوحشية غير عادية تحاول صياغة العالم وفق ما تعتقد أنها إملاءات الدين.
وأضاف “إذا كنا نعتزم التعامل مع داعش كعدو أو مثل السرطان الذي يتمدد ويجب وقفه – كما قال الرئيس أوباما - فعلينا فهم ما هي الأفكار التي يعتقدونها وتحفز سلوكهم، وذلك لأن الأفكار لديها القدرة على تجديد نفسها والنمو من جديد مرات ومرات ومن ثم تجنيد وتلقين أعضاء جدد باستمرار، وبعبارة أخرى علينا مواجهة هذا النداء العقدي المتجدد لا الأشخاص أو تجسيدات الأفكار”.
وذكر فيث أن الإدارة الأمريكية لم تفهم جيدا ذلك وهي تقاتل أيديولوجيا المتطرفين الإسلاميين، إذ كانت هذه المشكلة من أيام بوش وهي مستمرة مع أوباما رغم أنه بمجرد وصوله للبيت الأبيض أعطى أوامره لمستشاره في مكافحة الإرهاب مدير وكالة المخابرات المركزية جون برينان: بأن النهج في مكافحة الإرهاب يجب أن يختلف عن نهج الرئيس بوش، مشيرا إلى أن تصوير الحرب على الإرهاب بأنها حرب عالمية يعزز الصورة ذاتها التي يسعى تنظيم القاعدة إلى تثبيتها، إلى جانب أن الإرهاب على درجة عالية من التنظيم العالمي وهو قادر على استبدال الخلافة الإسلامية العالمية بالدول ذات السيادة، فالطريقة التي يصور بها الإرهابيون أنفسهم باعتبارهم مجاهدين واستخدامهم المفردات الدينية مثل الشرع والجهاد وحكم الله تمنح هؤلاء القتلة شرعية دينية في الشارع الإسلامي – وهو ما يسعون إليه بشدة – لتصوير وتعزيز فكرة أن أمريكا في حرب ضد الإسلام نفسه.
الخطأ في تصور الرئيس أوباما لمشكلة الإرهاب – كما يقول فيث – هو حديثه عن شرعية مصطلح ديني مثل الجهاد دون أن يحدد أن مفهوم الجهاد هو من أجل الخير الأخلاقي، ذلك أنه حتى الحجة التي يستند البعض إليها من أن الإسلاميين يعانون داخل بلدانهم من القهر والظلم وانسداد الأفق السياسي ونقص الوظائف، مردود عليها بما الذي يدفع إنسانا إلى القتل أو التفجير أو العنف ضد البلدان التي يلجأ إليها وتوفر له المأكل والمسكن والرعاية الصحية والاجتماعية؟
ووفقا لفيث فإن داعش قتلت وبوحشية الإيزيديين والمسيحيين العراقيين، وهجروا من أراضيهم على أيدي داعش ليس بسبب الخلاف مع الولايات المتحدة، وإنما بسبب الأيديولوجيا الخاطئة التي يعتنقونها ولذلك فإن كسب هذه المعركة ضد داعش لن يتم دون الدعم المنهجي والمتواصل من داخل العالم الإسلامي، بل من المسلمين أنفسهم الذين يستطيعون دحض ادعاءات داعش باختطاف الإسلام والتحدث باسمه، أي يجب معارضة هذه الأيديولوجية المتطرفة بالاعتدال والوسطية الإسلامية.
وطالب فيث بأن تعلو أيديولوجيا الإسلام المعتدل المنابر في العراق وسوريا والرياض وإندونيسيا وبريطانيا في نفس الوقت، ذلك أن هزيمة داعش في ساحة المعركة تبدأ بتشويه سمعتها وتفنيد أيديولوجيتها الخاطئة، تماما مثلما حدث مع الأيديولوجيا النازية في ألمانيا وهو ما أدى في النهاية إلى هزيمتها، معتقدا أن المواجهة العسكرية لداعش دون ذلك ستحقق انتصارا خطيرا لقوى التطرف في العالم.
4 - ائتلاف واسع من أصدقاء وحلفاء أمريكا
أما الفريق المتقاعد في الجيش الأمريكي ديفيد بارنو فيعتبر أن الرئيس أوباما، الذي عاد وقرر استخدام الضربات الجوية ضد داعش في شمال العراق مؤخرا، مع إرسال طائرات استطلاع فوق سوريا، يواجه أخطر اختبار رئاسي له في السياسة الخارجية (العراق وسوريا) بعد سحب قواته من العراق في أواخر 2011، وعلى أوباما حشد ائتلاف واسع من أصدقاء وحلفاء لهم مصلحة في الاستقرار الإقليمي ومواجهة هذا التهديد الدولي المتنامي بتوفير بعض الدول الدعم المالي لقوات مكافحة داعش ومساعدة البلدان المتضررة مثل الأردن وتركيا وتهميش التمويل الدولي لداعش وإغلاق منافذ قدرتها على الوصول للشبكات المالية العالمية، إضافة إلى ذلك يجب أن يذهب الرئيس إلى الكونجرس للحصول على إذن جديد باستخدام القوة مع التركيز على الأخطار المباشرة لداعش قبل أن تتفاقم الأزمة وتهدد الولايات المتحدة، كما ألمح بارنو إلى أن وكالات الاستخبارات الحليفة للولايات المتحدة دقت ناقوس الخطر بشأن ألفين إلى ثلاثة آلاف مقاتل أجنبي يشكلون تهديدا خطيرا ومتزايدا بعضهم يحمل جوازات سفر أوروبية سوف يعودون لبلدانهم قريبا وهم يحملون الكثير من العنف والخبرات القتالية والحماس الأيديولوجي والكراهية لنمط الحياة الغربية، مضيفا أن هذا الخليط المدمر سوف يستهدف مواقع استراتيجية غربية تميز بها الإرهاب ولكنها ستكون الأخطر والأشرس من 11 سبتمبر.
معضلة أوباما المركزية – كما يقول الجنرال ديفيد بارنو - تتمثل في إيجاد وسيلة لمواجهة داعش دون أن تطأ قوات المشاة والبحرية الأمريكية أرض العراق، إذ إن القوات العسكرية لداعش كبيرة جدا وهي تمتلك أسلحة ثقيلة روسية وأمريكية الصنع ولديها الخبرة القتالية حيث نجحت في توجيه ضربات موجعة للقوات العراقية والبشمركة الكردية.
ويشير إلى أنه لولا الضربات الجوية الأمريكية الأخيرة التي أوقفت تقدم داعش باتجاه كردستان لحدثت الكارثة المحققة، إذ لا بد من طرح استراتيجية إقليمية لاحتواء عدوانية داعش وإلحاق الهزيمة بها سريعا في نهاية المطاف، ويجب أن تشمل هذه الاستراتيجية أصدقاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والحلفاء الدوليين أيضا، في أوروبا وغيرها.
5 - مواجهة داعش دبلوماسيا واقتصاديا
من جانه يرى اللواء المتقاعد في الجيش الأمريكي بول إيتون أن وعي داعش بمبادئ الحرب الشاملة، وطبيعة الهجوم وعنصر المفاجأة فضلا عن الهدف من الحرب واقتصاديات الحرب ووحدة القيادة وغيرها من المفاهيم تتطلب في المقابل استراتيجية شاملة ودقيقة لمواجهة داعش سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا عبر تحالف كبير، مضيفا “نحن بحاجة إلى خطة شاملة يشارك فيها ائتلاف من الأصدقاء والحلفاء والوكلاء قادرة على هزيمة داعش ليس فقط عسكريا وإنما أيضا دبلوماسيا واقتصاديا، ومشكلتنا السياسة الخارجية اليوم هي في تحديد الأولويات وطبيعة الائتلاف القادم لمواجهة داعش ومن الذي يقود العمليات بما يصب في المصالح الاستراتيجية الأمريكية، لذا فإن تركيا من المنظور الجيوسياسي العضو في حلف الناتو والحليف القوي لأمريكا يمكن أن تأخذ زمام هذه المبادرة وتقود العمليات العسكرية ضد داعش، كما أن هناك فرصة للتعاون بين أمريكا وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي لا سيما السعودية التي لها مصلحة خاصة في عودة الحياة الطبيعية إلى العراق كدولة لها سيادة، إضافة إلى ترك المسلمين المعتدلين في وضع أفضل وموقف أكبر من السلطة”.
وحسب إيتون فإن الولايات المتحدة على المستوى العملي للحرب يمكن أن تكرر ما قامت به في ليبيا حيث قدمت المعلومات الاستخباراتية والمراقبة والاستطلاع فضلا عن الخدمات اللوجستية.
6 - حشد الغضب العالمي
وبدوره يعتقد الأميرال المتقاعد في القوات البحرية الأمريكية جيمس ستافريديس أنه لمواجهة داعش ينبغي أولا وقبل كل شيء:
- • حشد الغضب العالمي الضخم من خلال الإدانات في الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والناتو وكل المنظمات الدولية
- • إيجاد تحالفات بين الشركاء الذين هم على استعداد لتجميع وتبادل المعلومات الاستخباراتية خاصة في العالم العربي
- • الحصول على دعم وموافقة الناتو

