رغم أن وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو وقف أمام مجموعة رجال الأعمال المسلمين الأتراك يتحدث مطولا عن إنجازات حكومة العدالة والتنمية في سياستها الخارجية في السنوات العشر الأخيرة، ويدعو المعترضين والرافضين والغاضبين لطرح البدائل والعمل على تسلم السلطة لتنفيذ برامجهم وأفكارهم هذه، إلا أن عشرات الكتاب والمحللين المقربين من جماعة فتح الله غولان، أو المحسوبين عليها يتحدثون يوميا عن تراجع ملحوظ في السياسة الخارجية التركية، الذي سيكلفها غاليا إذا ما استمرت في ارتكاب الأخطاء والتراجع عن التحالفات التي بنتها، والخيارات التي طرحتها، والتعهدات التي قدمتها لشركائها وحلفائها في الخارج
طبعا الجماعة لم تكن لتدخل في سجال علني مكشوف مع حكومة رجب طيب إردوغان، شريك الأمس، بهذا الشكل، ولم يكن أحد أهم متخصصيها في السياسات الخارجية لتركيا، عبد الحميد بيليجي، ليتحدث مطولا عن أخطاء التوقعات وقراءة مسار الأزمة السورية، لولا التوتر الأخير في العلاقات بين الجانبين، لكن هذا لا يمنع من القول إن أصواتا وأقلاما كثيرة بالمعارضة التركية بدأت تتحرك بقوة للاستفادة من هذه الحرب بين»الأخوة الأعداء» وتصفية حساباتها مع إردوغان عبر الضرب على الوتر الحساس في هذه الآونة، وهو سياسة حكومته الخارجية المتراجعة إقليميا، خصوصا بعد فشل كثير من المعادلات والشعارات المرفوعة في السنوات الأخيرة، كما يقول الإعلامي في صحيفة «طرف» سميح ايديز
كتاب الرأي منقسمون بين جناحين، الأول يدعم حكومة إردوغان في محنتها، ويرددون أن البعض في داخل تركيا وخارجها يحاولون توريطها عبر إقحامها في مستنقع الإرهاب، أكثر المسائل حساسية في الغرب، وبالتالي إضعافها وإخراجها من أكثر من ملف إقليمي يعنيها مباشرة
وجناح آخر يقول إن حكومة العدالة والتنمية هي التي تدفع اليوم ثمن الأخطاء التي ارتكبتها في التعامل مع قضايا إقليمية، بينها الأزمة سورية والعلاقة مع إسرائيل وتعريض استراتيجياتها الثابتة والمعروفة في مواقفها وعلاقاتها الخارجية إلى الخطر،كما يقول الكاتب الإسلامي في صحيفة «زمان» علي بولاش
بولاش الذي لم يدخل في تفاصيل الحوارات الاستراتيجية التي بدأتها تركيا مع الصين واليابان وروسيا وإيران في العامين الأخيرين، والتي أقلقت الكثير من العواصم الغربية، وعلى رأسها واشنطن تحديدا بسبب عشرات العقود والاتفاقيات التجارية والعسكرية الموقعة بين تركيا وهذه الدول متخلية عن تعهداتها ووعودها التي قدمتها للغرب في سياستها الشرق أوسطية، لكنه يصر على أن تركيا معرضة لصفعتين، بسبب موقفها وطريقة تعاملها مع القضية السورية، وأخرى بشرية من المافيا العالمية المزعجة من استقلالية تركيا في سياساتها وإصرارها على تعريض مصالح هذه المجموعات للخطر
الوزير أوغلو الذي دخل مؤخراً في أكثر من مواجهة كلامية مع وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم في مؤتمر جنيف الثاني، ومع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف على هامش أعمال قمة دافوس، والذي يتعرض لحملة قوية من قبل المعارضة التركية، متمسك بمحاولات البعض استهداف الصعود التركي في خطة مصدرها بعض القوى الخارجية، لكنها تنفذ بمشاركة أصابع محلية تريد الإطاحة بإردوغان وحكومته، وإعادة تركيا إلى حالة ما قبل عشر سنوات
لكن الكاتب التركي مصطفى أنوال يقول إن أنقرة هي التي تغامر من خلال تبني سياسة خارجية تقلق الكثيرين، وإنه لولا دخول قوي من قبل الاتحاد الأوروبي على خط ملف مشروع قانون عمل مجلس القضاة الأعلى لما تخلت الحكومة عن تمسكها بتعريض ما بنته قبل عامين للانهيار بمثل هذه السهولة
الكاتب المتخصص في الشأن الاقتصادي، أردال صغلام، يعتبر أن «الخضات السياسية» التي تواجهها تركيا في الخارج تعرض استقرارها الاقتصادي أيضاً للاهتزاز، لكن الأكاديمي مراد بلغة يرى أن مبالغة رئيس الوزراء في الحديث عن الخيانة والتخوين لكل منتقد أو معارض لسياسة الحكومة اليوم ستنعكس سلبا على الحكومة، فلا يمكن بمثل هذه البساطة توجيه اتهامات خطيرة من هذا النوع لكل معارض أو منتقد
داوود أوغلو يقول إن تركيا حققت في العقد الأخير إنجازات عملاقة في سياستها الخارجية التي انعكست على تحسين علاقاتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية مع عشرات البلدان «التي كنا لا نعرف عنها شيئا، وهو حلم ننتظره منذ قرن كامل»، لكن الكاتب والإعلامي التركي المعروف والمتخصص في شؤون الشرق الأوسط، جنكيز تشاندار، يحذر الحكومة بضرورة الإسراع في استرداد البوصلة التي فقدتها في مسارها الخارجي، وإلا فإن حجم الخسائر والأضرار سيكون باهظا وسيكون من الصعب تعويضها أو تلافيها
ارتدادات الأزمات الداخلية على سياسة تركيا الخارجية
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
