يتناول بعض المثقفين بحسن نية -وبخبث أحيانا- حالة الصراع بين بعض المجموعات الإسلامية في الساحات الساخنة وما نتج عنها مؤخرا من خراب ودمار على أنه إفراز لحالة الانحراف الفكري والتطرف الديني والغلو والظلامية وغيرها من المصطلحات، والتي حولت هؤلاء إلى مثال سيئ لحملة الفكرة الإسلامية، ثم يعملون للبناء على ذلك باتجاه التشكيك في صلاحية الدين للحضور في الحياة العامة والسياسية منها على وجه الخصوص
وبكل أسف أقول إن قدرا ليس بالقليل من الغلو والتطرف والفردية والانحراف المنهجي قد حدث لدى بعض هذه المجموعات الإسلامية الجهادية الحاضرة في الساحة الآن، وسوريا تشهد هذه الأيام أبشع صور ذلك
ويكفي أن تصل الحالة إلى الاحتراب بكل صوره الدموية التي بلغت حد استخدام عشرات المفخخات العمياء في غضون أيام قليلة، ناهيك عن القتل المباشر والخطف والتعذيب والحرب الإعلامية وغيرها من أشكال الصراع
ومع كل ذلك فإن العامل المؤثر والمحرك الأول للصراع بصورته الراهنة الصارخة ليس كل هذه العيوب والأخطاء الفادحة لدى هؤلاء مع عظيم خطرها وضررها وإنما هو في حقيقة الأمر اللعبة السياسية القذرة التي تمسك بالخيوط المفصلية الأساسية والتي عملت دهرا طويلا على اختراق هذه التنظيمات حتى غدا بعضها ليس إلا أدوات على الأرض يحركها السياسي المحنك متى أراد ذلك، وفي لحظة ما تدرك بعض الأطراف المؤثرة داخل هذه التنظيمات أنها قد فقدت القدرة على الإمساك بقرارها، وأنها في الوقت نفسه قد فقدت القدرة على التراجع إلى الخلف، وهنا تحديدا يسقط البعد الأخلاقي والشرعي لتبدأ السلسلة في الانفراط وليبدأ معها تحريك آلة التبرير الشرعي المتكلف والتي تزداد مهمتها صعوبة مع الانكشاف والتناقض بين المبادئ والأصول وبين الواقع الممارس على الأرض، وأما الشريحة التنفيذية فيغلب عليها النوايا الصادقة والثقة العمياء بقيادتها مع الجهل الشرعي وغلبة العاطفة وهو ما يحولها إلى مجرد أعواد صغيرة توقد بها النار، وليس المراد هنا بطبيعة الحال ذكر ما بات معروفا ومنشورا مما يؤيد ما ذكرناه من الوقائع والأحداث، ولكن المراد في هذا الموضع بيان أننا معشر المتابعين يجب ألا نسمح للأبواق الإعلامية المغرضة، ولا لخصوم المشروع الإسلامي بأن يعملوا على توظيف كل ذلك لتمرير جرعة خادعة من التشكيك في صلاحية الإسلام بجوانبه المختلفة الشاملة لقيادة وتصحيح أحوال الحياة المختلفة عبر تطبيق أحكامه وقواعده الكلية وضوابطه الأخلاقية ومراعاة مقاصده العليا المحفزة للإعمار الإيجابي للدنيا واستيعاب كل مستجدات الحياة في داخل منظومته، وهي الطاقة المبدئية الهائلة التي متى لاقت همما ونفوسا قد نضجت فهما وعلما ومساحة كافية للحركة وحصانة من المكائد والدسائس فإنها ستحقق ولا بد الأمل الذي يتوق له كل مخلص، وهو ما لا يرضي أعداء الإسلام من مختلف المشارب، مما دفعهم لعدم السماح له بالمرور الطبيعي المستحق عبر المسارات التقليدية، فهم يعلمون أنه حينها سيكون الحاضر والفاعل الأكبر في المشهد كله وأنه لا مكان لهم حينئذ