عشر تلميذات، متلحفات بالعباءة السوداء، لا يبدو منهن سوى، الجزء السفلي لمريول المدرسة بلونه الكحلي المائل للزرقة، يقفن عند محطة المعطاني، على يمين الداخل لمكة المكرمة في شارع الستين بانتظار الأوتوبيس الأصفر، بخطوطه السوداء العريضة، والساعة لم تتجاوز السادسة صباحا، للذهاب إلى المدرسة! ما سبق ليس مشهدا سينمائيا لفيلم يمكن تصويره عن النقل المدرسي في السعودية، إلا أنه يحكي زمنا عاشته طالبات الستينات، لعب فيها الأوتوبيس دور البطل الرئيسي، كما جاء على لسان أميرة أبو النور (معلمة سابقة)، كانت تحكي أتوبيس مدرستها، بلهفة الشوق لأيام جميلة كما وصفتها وحسرة، على أبناء أنهكهم تغيير وجوه سائقيهم، بالإضافة لمشكلات أهمها الأمان، الذي كانت تشاركها الشعور به ما لا يقل عن 40 تلميذة وربما أكثر، دون الحاجة لمرافقة «الأتوبيس كان بسعة خمسين مقعدا» إلا أن ذلك لم يخلق أزمة تكدس داخل الباص.
في ظل الالتزام بقانون العرف، الخاضع لمجتمع البيت والمدرسة عبر تسجيل الأسماء، ولتعيين كل طالبة لأتوبيسها، ضمن الباصات الأربعة المصطفة أمام المدرسة، يتم حفظ وجه السائق كعلامة، كما حكت »أبو النور«
علاقة أولياء الأمور مع السائقين إحدى الدلالات على جيل كان يسعى »لتأمين بناته«، خاصة وأن السائقين من الجنسية اليمنية أو السعوديين من أبناء البادية »لديهم نفس ثقافة مجتمعنا، وأكثر ما يميزهم الاحترام» ما أعطى السائق مهمة جانبية، هي التأكد من «دخولنا للمدرسة، ووصول كل منا لمنزلها«
متعة الذهاب للمدرسة والعودة منها، داخل الأتوبيس الأصفر لم تقف عند حد الجلوس على مقاعده الأربعين، والاستمتاع بصحبة تلميذات من مراحل دراسية وعمرية مختلفة بالرغم من مشقة الوصول للمحطة التي وصفتها أبو النور بـ »الأوتوبيس كان يقف غالبا في الشوارع الرئيسية، وكنا نتحمل مشقة الخروج من منازلنا داخل الحارات، في أوقات مبكرة جدا، للحاق بموعد الباص« إلا أنه كان يحمل في طريق العودة، خطى متأنية مليئة بالضحك والحلويات دون الإحساس بعبء الواجبات المدرسية! »النقل المدرسي الذي كان متاحا بالمجان، لم يقف عند حدود التعليم العام، بل تجاوزه للتعليم الجامعي، وهو ما أوضحته آمال رضوان رئيسة التعليم الأهلي السابقة بتعليم جدة، موضحة »كان الاعتماد في ذلك الوقت على النقل الحكومي«، ولأن السيارات الخاصة كانت قاصرة على أصحاب الكعوب العالية، ما يتطلب »إبراز كرت راكبي السيارات لإدارة الكلية« في الوقت الذي يجدول فيه سائقو الباصات الجامعية، مواعيدهم تبعا لجداول الطالبات
في زمن الموارد المحدودة، حضر الأوتوبيس الأصفر ومع تعددها أبى إلا أن يسجل غيابا مؤلما، حمّل كاهل الأسر السعودية، عبء النقل المدرسي بكل تبعاته
الأوتوبيس الأصفر.. بطل الساعة السادسة
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
