أحد الأخبار التي تأتيك حتى ولو متأخرة قد تفتح أبواب الأسئلة من جديد، وأحد هذه الأخبار يتعلّق بسجناء ومفرج عنهم وأحوالهم، أحياناً يذهب بك الخبر أبعد من ذلك لتبحث وتدقق وتعود لملفات «الموضوع» من جديد.
الخبر الذي قرأته مؤخراً وإن كان خبرا قديماً يطرح رقماً لعدد السجون في إحدى مناطق المملكة (عسير) إذ بلغ عدد السجون فيها 17 سجناً.
الخبر لم يركز -بحكم أن الهدف هو خبر المفرج عنهم والمستفيدين- لم يركز على نوعية هذه السجون ولا عددها الذي جاء مصادفةً، وأنا شخصياً لا أعرف كيف يتم تصنيف السجون ولا وصفها، غير أن هناك سجونا وهناك ما يسمى توقيفا حسب التصنيف الأمني وإصلاحيات، وكل ما أعرفه أن التوقيف هو قضاء فترة موقتة وتختص فيها أقسام الشرطة، وهذه لا تتجاوز مدة التوقيف فيها أياماً معدودات...
في مقالة سابقة عرضت شخصياً لحال أحد هذه الأقسام الذي لم يتطور منذ خبرته قبل ثلاثين عاماً.
الرقم الذي أعلنه الخبر من غير قصد، يدعو للبحث عن عدد السجون في المملكة، كم هي؟ وكيف يتم تصنيفها وما هو حالها؟ واقعها؟ كيف يتم التعامل مع السجناء داخلها؟ وهل يتم تقسيمهم حسب القضايا أم ماذا؟ أحوالهم؟ نوعية الخدمات المقدمة لهم؟...
17 سجناً في منطقة واحدة رقم كبير جداً، ما هي سعتها؟ ما هي نوعية جرائم نزلائها؟ ما هي حال المساجين فيها؟
البوابة الالكترونية الرئيسية للمديرية العامة للسجون، لم أجد فيها شخصياً أي إحصائيات تتعلق بهذا الأمر، كل ما فيها يتحدث عن إنجازات المديرية العامة، ومثل عادة كل الجهات الأخرى، أخبار وتغطيات وملف إعلامي ومناقصات.
الأيقونة الوحيدة المتعلقة بالإحصائيات كلها تتعلق أيضاً بالإنجازات (عدد المصانع المقامة في السجون، المستفيدون من الخدمات، الدارسون، الإرشاد والتوجيه... إلخ)!
البحر الذي وجدنا أنفسنا فيه (الإعلام الرقمي) يكشف لنا شاطئه عن حالات مختلفة غالبها يركز على المسكوت عنه في هذه السجون: حالتها وحال نزلائها.
تغيير الاسم الذي يطلق على السجون من كونها سجونا إلى إصلاحيات، لا يغيّر من الأمر شيئا، ونحن نشاهد مقاطع مسربة عن حالات لبعض السجون لا يمكن أن يقرها الضمير الإنساني بغض النظر عن نوعية الجرم المرتكب، أيا كان.
ما يهمنا ونحن واجهة ومحط أنظار ورمز للإنسانية، أن تتغير نبرة الخطاب الرسمي والحقوقي (ممثلا في الجهات المعنية بالحقوق والعدل) سواء منظمات أو جمعيات أو أفرادا مسؤولين عما يقولون.
حال السجون التي تكشفها المواقع والإحصاءات الرسمية (عال العال) بينما الحالة التي تكشفها تقارير مصورة أو مكتوبة أو تصريحات لجمعيات حقوق الإنسان تختلف اختلافاً تاماً، اختلافاً يمثّل النقيض..
الشفافية والصدق والعدل والضمير تجعلنا نسأل: لماذا تغيب التصريحات الرسمية عن حالة السجون؟ لماذا يغيب عددها، ما دامت كل القضايا فيها عادلة ويعاقب عليها القانون؟
وهل الإدارة العامة للسجون لديها تقارير تخالف التقارير والصور ومقاطع الفيديو التي يتناقلها سجناء وذووهم أو تتسرب بأي شكل؟ لماذا لا نقف جميعاً على هذه الحال التي يشتكي منها بعض السجناء ويشكو منها الضمير، أو نقف معاً لإصلاحها؟
ولماذا تصل حالة السجون إلى هذا الحدّ من السوء إذا كانت هذه المقاطع صحيحة؟ هل هو نوع من العقاب أم هو شكل من أشكال الإهمال، أم هو انعكاس للوضع العام، وهو ناصية أو زاوية أو جهة من جهات المدينة عليها أن لا تختلف عن خدمات تقدمها جهات لم يتغير حالها منذ ثلاثة عقود وأكثر؟
أجزم أن هناك إجابة ما لدى أحد، أما هذه، فأسئلة موقوفة حتى نجد إجاباتها، وإن لم نجد أحداً يجيب عنها سنتركها لضمائرنا لا لأسرارنا المخبأة عن عمد!