السفر بين كابول وقندهار ذهابا أو إيابا كان دائما تجربة مؤلمة بالنسبة لي. حذرني أهلي وأقربائي وأصدقائي عدة مرات من السفر على هذا الطريق الخطر، حيث تستطيع غالبا أن تلتقي مع مقاتلين من حركة طالبان على الطريق، وإذا شاهدوا أحدا يبدو عليه أنه مثقف أو يرتدي ملابس عصرية أو يحمل كتابا أو جهاز كومبيوتر، فإنهم يقومون بإنزال الشخص من السيارة، وإذا حصلوا على أي دليل صغير بأنه ينتمي إلى قوات الأمن أو أنه يعمل مع أجانب أو أن لديه أي ارتباطات مع الحكومة، فإنهم يقتلونه على الفور.
في السنوات العشر الأخيرة، تعرض عشرات الأشخاص للقتل أو الخطف على الطريق. لكنني لم أستطع التخلي عن هذه المغامرة الخطرة لسببين: أولا، طالبان لا تختطف أو تقتل أي شخص دون تحقيق فعلي، وإذا كان الشخص حياديا يطلق سراحه على الفور، ويتم منحه بعض المال لتعويض وقته الضائع. ثانيا، أنا أتعلم على الطريق أمورا لا يمكن أن أتعلمها في مكان آخر. إنه المكان الذي يرى فيه الإنسان الصورة الحقيقية لأفغانستان، وهو أمر لا يمكن رؤيته من العالم المزيف في كابول.
الطريق الذي كان أجمل طريق سريع في البلد في بداية إنشائه منذ نحو ثماني سنوات تحول إلى مسار وعر يحوي عددا كبيرا من الحفر والخنادق بسبب انفجارات القنابل. بعد كل 100 أو 200 متر، هناك حفرة على الطريق تجبر السيارة على تخفيض السرعة. هذا هو السبب الذي يجعل المسافة التي لا تتجاوز 300 ميل تستغرق أكثر من 7 ساعات.
إن ما يثير الغضب هو عدم فهم الطريقة التي يفيد بها نسف الطرق والجسور أي طرف، وهناك روايات متعددة بهذا الخصوص. أحيانا تتهم القوات الأمريكية بالقيام بهذه الأعمال لأنه لا يمكن لشخص أعزل أن يحفر حفرة عميقة في وسط الطريق ويضع فيها المتفجرات. الأمر يتطلب معدات ثقيلة ومتطورة لا تملكها سوى القوات الأجنبية.
بدءا من محطة الحافلات في مدينة ما إلى محطة الحافلات في مدينة أخرى، جميع المشاهد والأحداث مؤلمة. في محطات الحافلات في كلا المدينتين، تستطيع أن ترى عددا كبيرا من الشبان الصغار بوجوههم الشاحبة والقلقة يحملون حقائب الظهر للسفر إلى خارج أفغانستان، إلى إيران ومن ثم إلى تركيا وأوروبا. يبدؤون الرحلة بأحلام كبيرة، لكن بعضهم يقتل على الطريق وكثيرون منهم يتم القبض عليهم ويرحلون إلى أفغانستان.
الشرطة تبدو مرهقة. على هذا الطريق السريع، لا يمر يوم لا يقع فيه حادث مؤسف. ناقلات النفط والشاحنات الثقيلة يتم إضرام النار فيها. وأحيانا تصطدم سيارة أو حافلة بعبوة متفجرة على حافة الطريق ويموت ويجرح من فيها.
البيوت على جانبي الطريق أخليت من سكانها، وهناك كثيرون من أصحاب البيوت اقتلعوا الأبواب والشبابيك من بيوتهم وأخذوها معهم. عندما كان المسلحون يهاجمون القوات الحكومية، كانوا يختبئون في هذه البيوت ويصبح سكانها عالقين بين نيران المسلحين والقوات الحكومية. حتى المساجد استخدمها المسلحون للاختباء وتعرضت هي الأخرى للدمار بسبب ذلك. لا أستطيع أن أفهم كيف يمكن للمسلحين ادعاء أنهم يطبقون الشريعة الإسلامية وفي الوقت نفسه يعرضون المساجد لمثل هذا الدمار.
مشاعر وظروف ركاب الحافلة ليست أقل ألما. هناك نساء عليهن البقاء في الحافلة طوال الرحلة لأنه لا توجد أمكنة مخصصة لهن للجلوس فيها أو حتى حمامات خاصة يستطعن استخدامها، أطفالهن يبكون، ولا يستطعن فعل أي شيء.
على الطريق، هناك الكثير من البلدات والقرى التي تمر بها الحافلة، ولا يملك المرء إلا أن يشعر بالأسف لحال هذه البلدات والقرى لأنها تفتقر إلى المستشفيات الجيدة والأطباء المختصين، والسكان محرومون من البنى التحتية الأساسية مثل الماء والكهرباء والغاز. ليست هناك مدارس أو جامعات جيدة، وليس هناك إمكانية للوصول إلى شبكة الانترنت أو أنواع التكنولوجيا الأخرى. باختصار، يعيش الناس هناك حياة بائسة.
كثيرون يقولون إن التطرف الديني هو سبب كل هذه المشاكل. لكن الحقيقة هي أن هناك الكثير من اللاعبين الدوليين الذين يحاولون تحقيق مصالحهم من خلال لعبة دموية في أفغانستان، والتطرف الديني يمثل جزءا من لعبتهم. المشكلة أن هناك كثيرين من رجال الدين لا يدينون التطرف بالرغم من الدمار الذي يسببه. والسؤال: لماذا لا يقوم هؤلاء العلماء المسلمون بنشر المبادئ الإسلامية السمحة والأخلاق الحميدة واحترام الإنسان بدلا من السماح للتطرف بالسيطرة على الساحة؟
في جميع الأحوال، على المجتمع الدولي أن يفهم أن الإرهاب لن ينتهي من خلال قتل أعداد كبيرة من الناس. القضاء على الإرهاب يجب أن يبدأ بتشجيع التعليم ومساعدة الناس على فهم دينهم بشكل صحيح وتحقيق الازدهار الاقتصادي في البلد. هذه الأمور من شأنها محاربة الإرهاب أكثر من أصوات المدافع.