على الرغم من التقابل الحاد بين ذاتية القارئ وموضوعيّة المقروء فإنّ القارئ ينطلق دائمًا من الحقائق الموضوعيّة التي تشتمل عليها النصوص، وبمقدار غنى الموضوع، واكتناز الذات القارئة، تكون مسوغات التباين ما بين القراءات المتعددة للنصّ الواحد؛ لأنّ تفسير النصّ، هو وصف لعادات القارئ وتوقّعاته وطريقته في وضع الفرضيات والكشف عن الحقائق والقواعد والأحكام والجماليّات، والحديث عن معنى النص حديث في الوقت ذاته عن قراءة القارئ لهذا النص في اختلافه عن قراءات الآخرين له؛ لأنّ هذا القارئ -بحسب نظريّات التلقي في العصر الحديث- ، لم يعد مستهلكًا للنصّ، بل صار ينتجه بطريقة ما
وليست التنوّعات التي تصادفنا فيما يركّب القرّاء أمورًا عرضيّة، وإنّما هي نتائج فعاليّة القراءة، الناجمة عن وعي الذات على الموضوع
إذا كان النصّ الأدبيّ بعامّة ينطوي على غنى وثراء، وبناؤه اللغويّ هو الذي يساعد على ذلك، وكلّما أدرج في سياق ما أغنى ذلك السياق وغني به، فتعدّدت الدلالات، ومن ثم القراءات، فما بالك بالنصّ القرآنيّ المبنيّ في أصله على التحدّي والإعجاز، وهو المشتبك مع التاريخ في أوّل نزوله، كما دلت على ذلك الوقائع وأخبار النزول وأسبابه، ثم المتعالي على التاريخ لاحقًا بصلاحيّته الأبديّة بحكم مصدره الإلهيّ لدى المؤمنين به
إنّ التفاسير العديدة التي حظي بها القرآن الكريم على مرّ العصور، وتفاوت ما بينها لدى أهل السنّة والجماعة والمعتزلة والمتصوّفة والشيعة والخوارج، والقدماء والمحدثين، والمسلمين بعامّة، وغير المسلمين، ممن عُنوا بالنصّ القرآني، تؤكّد جميعها أنّ النصّ القرآنيّ المتعبّد بتلاوته يبقى ثابتًا بنفسه، بوصفه نصًّا إلهيًّا بامتياز، ولكنّه يكون قابلاً للتفسير والتأويل أبدًا، كما أثبتت الوقائع الفعليّة التي قدّمها البشر حيال النصّ القرآنيّ وما زالوا إلى الآن يقدّمون
ذاتية القارئ وموضوعية المقروء
جمال مقابلة2 دقائق للقراءة

حجم الخط
