كيف يمكن تقييم النجاح وتمييزه عن الفشل؟ الشخص الناجح في أمر ما قد يكون فاشلا تماما في أمر آخر. لنأخذ رئيس الوزراء التركي الجديد أحمد داود أوغلو على سبيل المثال. فاز الرجل بتأييد جميع مندوبي حزب العدالة والتنمية في المؤتمر العام للحزب ليصبح خليفة رجب طيب إردوغان، الذي تم انتخابه رئيسا للجمهورية، في رئاسة الحزب. يا له من نجاح باهر! هل ننسى جميعا أن رجب طيب إردوغان هو الذي اختارد أحمد داوود أوغلو بعناية فائقة حتى يضمن استمرار حكمه للبلد من مقعد الرئاسة؟ هل ننسى أنه في الديمقراطية، من وجهة نظر حزب العدالة والتنمية، لم يكن أوغلو من اختيار إردوغان فقط، لكنه كان المرشح الوحيد لرئاسة الحزب؟
هذه إحدى الطرق التي تعمل من خلالها الديمقراطية الشخصية، والتي يمكن وصفها بأنها «الديمقراطية التي تخدم مصالحي بالطريقة التي أختارها أنا» عوضا عن الصيغة الأخرى المعروفة التي تقول إن «الديمقراطية قطار أسافر فيه حتى أصل إلى النقطة التي أريد الوصول إليها».
هناك كثير من محطات التلفزيون والصحف التي لن تتمكن من الآن فصاعدا الوصول إلى رئيس الوزراء لأنها تتبع سياسة إعلامية لا تتوافق مع الطريقة التي يحبها الرئيس المنتخب رجب طيب إردوغان. في المؤتمر العام السابق لحزب العدالة والتنمية، تم منع عدد من الشركات الإعلامية التي كانت مصرة على اتخاذ موقف نقدي من الحاكم المطلق من دخول قاعة المؤتمر. في هذا المؤتمر الاستثنائي الأخير للحزب، زاد عدد الشركات الإعلامية التي منعت من دخول قاعة المؤتمر ووصل عددها إلى 12. بالنسبة لأولئك الذين لديهم صعوبة في الفهم، دعوني أكرر: اثنا عشر جهة إعلامية تم منعها من دخول قاعة مؤتمر حزب العدالة والتنمية بسبب اتخاذها موقفا ناقدا من سياسة الحزب وقياداته. الجهات الإعلامية التي منعت من دخول قاعة المؤتمر شملت وسائل الإعلام القومية أو العلمانية أو التي تتبنى فكر كمال أتاتورك، بالإضافة إلى بعض وسائل الإعلام اليسارية ووسائل الإعلام المرتبطة مع المفكر الإسلامي فتح الله جولن.
رئيس الوزراء المكلف أحمد داوود أوغلو قد يكون فخورا بنجاحاته الماضية التي ساعدته على الحصول على الترقية إلى هذا المنصب الجديد، والرئيس المنتخب رجب طيب إردوغان فخور بالتأكيد بنفسه لأنه رئيس تم انتخابه بالتصويت الشعبي المباشر (لكنه ليس أول رئيس يتم انتخابه بهذا الشكل كما يدعي، حيث أن أول رئيس انتخب بالتصويت الشعبي المباشر كان أحمد كنعان أورن في 1982). قد يصدق الرجلان أنهما يشكلان فريقا سيقود تركيا إلى عهد جديد. ولكن عهد جديد لأي شيء؟ يقول المثل التركي الدارج «الجمعة القادمة واضحة مما كان عليه الأمر يوم الخميس». إذا تم صعود التل من خلال انتهاكات القانون والأخلاق والمبادئ وأسس الديمقراطية على مبدأ «أنا أفعل الأمور بطريقتي لأن ما أقوله هو القانون»، فهل سيكون هناك أمل كبير في العدالة وسيادة القانون والمساواة ومثل هذه المبادئ الديمقراطية الأساسية؟
نأمل أن يثبت كل من الرئيس المنتخب رجب طيب إردوغان ورئيس الوزراء المكلف أحمد داوود أوغلو أن نقادهم مخطئين وأن يحملوا تركيا إلى مستوى متطور جديد بما يخص الفهم الديمقراطي للسلام مع الجيران والثبات الراسخ في نادي الأنظمة الديمقراطية. على الأغلب أن مخاوف انحدار تركيا إلى صراعات طائفية أو كارثة إقليمية لن تتحقق. إذا وضعنا جانبا الدعوات بأن أمريكا يجب أن تعود بكل قوتها لاستعادة السلام في الشرق الأوسط، وأن أمريكا ستساعد بلدة تسكنها الأقلية التركمانية في العراق للنجاة من إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية، واستمرار معاناة 49 مواطن تركي – بما في ذلك قنصل- في قبضة تنظيم الدولة الإسلامية واستمرار منع الصحافة من الحديث عن هذه القضية، فإن الاتهامات الموجهة إلى تركيا بأنها تدعم الإرهابيين لوجستيا أو عسكريا لا يشير مع الأسف إلى سياسة خارجية ناجحة. الوضع السوري أسوأ من ذلك. أحمد داوود أوغلو قال منذ ثلاث سنوات أن بشار الأسد لن يبقى أكثر من أسبوعين في منصبه. الآن يبدو أن وضع الرئيس السوري على الأرض أصبح أقوى مما كان عليه. جبهة النصرة والإرهابيين الإسلاميين الآخرين الذين دعمتهم تركيا في سوريا تحول كثير منهم إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق.
لكن تركيا تطور ديمقراطيتها بمنع النقاد من حضور المؤتمرات، وفرض الرقابة على الصحافة، وتغذية أجهزة إعلام موالية للحزب الحاكم. كما يقال في المثل الدارج، حتى الغربان ستضحك من ادعاءات تركيا الجديدة بأنها أكثر ديمقراطية لمجرد أن الشعب صوت لانتخاب الرئيس.