في اللحظة التي كنت أفكر فيها أن دمشق أكثر هدوءا مما كانت عليه منذ ستة أشهر، انفجرت قذيفة هاون على مسافة بضع مئات من الأمتار مني
القذيفة أُطلقت من منطقة يسيطر عليها المتمردون ووقعت في باب توما، وهي منطقة مسيحية من المدينة القديمة، حيث أنا موجود
تبين فيما بعد أن القذيفة لم تقتل أحدا، بعكس المرة الماضية التي كنت فيها موجودا وأدى سقوط قذيفتي هاون بـ «شارع المستقيم» إلى مقتل أربعة أشخاص
قال لي رجل أعمال من أهل المنطقة «لم تتغير الأمور كثيرا منذ الصيف الماضي
أكبر تغير هو أن الناس تعودوا أكثر على الحياة في حالة دائمة من الحرب والتي يكون فيها البقاء على قيد الحياة هو الهدف الأهم»
وأضاف أن هناك تبادلا لإطلاق النار بين القوت الحكومية والمتمردين، يستخدم خلاله الجيش النظامي أنواعا أكثر ثقلا من الأسلحة، لكنه لم يكن يتوقع أن الجمود العسكري الحالي سيتغير بشكل كبير، وأضاف «نحن لا نتوقع الكثير من محادثات جنيف 2»
القتال صار أقل نسبياً حول دمشق مؤخرا
هذا يعود بشكل كبير إلى أن المتمردين يخوضون حربا فيما بينهم، حيث يقاتل ائتلاف من عدة جماعات من المتمردين ضد الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، في صراع أدى لمقتل 1395 في الأسابيع الثلاثة الأولى من يناير
داعش استطاع السيطرة على مدينة الرقة التي يسيطر عليها المتمردون، ولكن عندما يندلع القتال بين قوات المتمردين والقوات الحكومية فإنه لم يفقد شراسته
قوات الحكومة استفادت قليلا من صراع جماعات المتمردين بعضها مع بعض
السوريون من كل الأطراف تعودوا على مشاهدة الفظائع، لكن عمق الانقسام داخل المعارضة كبير جدا لدرجة تجعل من الصعب على وفد المعارضة في جنيف أن يؤدي دوره بنجاح عندما يتعلق الأمر بقضايا عملية مثل وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وتوصيل المساعدات
لكن الحكومة أيضا لديها نقاط ضعفها: فهي لم تستفد من الاقتتال الداخلي بين المتمردين لتتقدم على الأرض، فيما عدا مناطق قليلة حول حلب وأجزاء محدودة من دمشق
أحد التفسيرات لذلك الموقف هو أن الحكومة لا تريد أن تجعل المتمردين يشعرون بأنهم مهددون فيعودون للتوحد ضدها في الوقت الذي يقومون فيه بما تريده من قتل بعضهم بعضا، ولكن القوات النظامية أيضا تعاني من ضغوط كثيرة، وليس لديها ما يكفي من القوات لتشن هجوما واسعا على عدة جبهات
الدليل على ذلك مثلا أن جبهة النصرة استطاعت للمرة الثانية الاستيلاء على قرية معلولا التاريخية المسيحية على طريق حمص-دمشق الدولي، كما أُغلق هذا الطريق الحيوي 17 يوما مؤخرا بسبب المعارك بين جيش النظام والمتمردين في مدينة النبك
القوات الحكومية تفرض حصارا على مناطق يسيطر عليها المتمردون منذ شهور في العاصمة دمشق في محاولة لإجبار المسلحين على الاستسلام من خلال تجويع السكان، لكن بعض المناطق، مثل دوما في شمال شرق دمشق، تمتلك احتياطيا كبيرا من المواد الغذائية وتستطيع الصمود لفترات طويلة
وعلى العكس من ذلك، تبدو المناطق التي تحت سيطرة النظام وكأنها تعيش حياة طبيعية، حيث يتوفر الخبز والوقود بشكل معقول
الازدحام خانق بسبب نقاط التفتيش الكثيرة، والرحلة التي كانت تستغرق 10 دقائق تستغرق حاليا ساعة كاملة
بشكل عام، من الصعب رؤية إمكانية تطبيق وقف إطلاق النار بدون وجود مراقبين من الأمم المتحدة يستطيعون أن يكونوا وسطاء وقنوات لنقل المعلومات بين الطرفين
خلال تطبيق خطة كوفي عنان في 2012، لعب المراقبون الدوليون دورا هاما في تقليص أعمال العنف، لكن كلا الطرفين في ذلك الوقت كانا يأملان في تحقيق انتصار عسكري
وبغض النظر عن التطورات الميدانية ومواقع قوات النظام والمتمردين، فإن الولايات المتحدة وأوروبا قلقتان حاليا من النجاحات التي يحققها كل من داعش وجبهة النصرة، بالإضافة إلى جماعات جهادية أخرى
ومع أن الجماعات الجهادية قد تختلف في الأساليب والتكتيك الذي تتبعه، إلا أن رؤيتها للعالم واحدة
محاولات الولايات المتحدة للحوار مع جماعات إسلامية جهادية ليس لديها علاقات مع تنظيم القاعدة لا يبدو أنها مدروسة بشكل جيد
ربما على الولايات المتحدة أن تدرس ما حدث في بنغازي، حيث قتلت جماعة جهادية السفير الأمريكي في ليبيا، قبل أن تُقدم على مثل هذه الخطوة في سوريا
* الإندبندنت
جنيف تبدو بعيدة عن المأزق السوري
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
