الجسد بلا روح يتحول إلى جثة، والروح بلا جسد تتحول إلى شبح. وكما نأكل طوال الوقت ليعيش الجسد علينا أن نصلي كل حين لتنمو الروح. وليس مقصوداً بالصلاة هنا تلك الطقوس التعبدية التي تفرضها الديانات المختلفة على أتباعها في أوقات محددة، فالأنساق الدينية تتضمن فكرة الصلوات الطقسية اليومية ذات الوتيرة المحددة (ثلاث صلوات يهودية، وسبع مسيحية، وخمس إسلامية). ولكن الصلاة، بالمعنى المقصود، أشمل حتى من تلك الفروض السامية؛ فهي- أياً كان شكلها- توجه بالقلب إلى الخالق، وعليه لا يمكن لهذا التوجه أن يستقيم دون إجراءات عدة، مع ملاحظة أن تلك الإجراءات لا تكفي وحدها دون الصلاة نفسها. فالأصل هو إقامة العلاقة الوطيدة مع الإله عبر المناجاة الدائمة والذكر المستمر والتسبيح المتواصل. والفكرة تتلخص في كيفية ترجمة وصايا وأحكام الدين إلى سيرة ومسيرة لحياتنا، عبر وجود الله في حياتنا طوال الوقت، وإن لم تتجسد الأحكام في التصرفات فما جدوى اختباؤها بين دفتي كتاب؟ في اليهودية يقول النبي داوود، عليه السلام، بالتوراة: «أما أنا فصلاة»، ويقصد أن حياته كلها عبارة عن صلاة عبر أفعاله الجيدة وتوبته الدائمة واتجاهه المستمر إلى الله. وفي المسيحية تتعدد مواضع ذكر الصلاة بالمعنى نفسه (اسهروا وصلوا - صلوا بلا انقطاع - صلوا في كل حين ولا تملوا). وفي الإسلام، يؤكد الرسول الكريم، عليه الصلاة والسلام، على المعنى ذاته، فالمفلس، تبعاً للحديث الشريف، هو من صام وصلى بينما «شتم عرض هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وضرب هذا».. إذن فالأمر لا يقتصر على تأدية الفرض بل يمتد إلى السياق العام للحياة.
وأظن، وبعض الظن إثم، وبالتالي فمعظمه ليس كذلك، أنه فيما يخص الصلاة بهذا المعنى، فمجرد التوجه إلى الله بالقلب يكفي؛ فالله يشعر بنا دون أن نتحدث، يفهم الأنات والتنهدات والأفكار، ولو كان الكلام هو لغة التواصل الوحيدة مع الله، لعجز الأبكم فاقد النطق عن التواصل، وهذا غير ممكن؛ فالله يحنو على الجميع.
الصلوات، والدعوات، والتسبيح، والذكر، والابتهال، كلها كلمات يُقصد بها المعنى نفسه، وهو التقرب إلى الخالق، قلباً وروحاً ووجداناً.. طوال الوقت، مدى العمر.