أبدأ حديثي إليكم بتساؤل: من الصانع الحقيقي للخطاب الوعظي على وسائل التواصل الاجتماعي، المغرد أم الشريحة الاجتماعية التي يمثلها، أم المتابعون المتفاعلون مع خطابه؟
يرى الدكتور الغذامي أن الصانع الحقيقي للخطاب بكافة أشكاله في وسائل التواصل هم الفئة المتابعة للكاتب، والشريحة الداعمة لقلمه، وربما أصبح الكاتب مجرد ناقل لأفكار متابعيه ولكن بصياغة هو يجيدها أكثر منهم. والحقيقة أن مَشَاهِد الخطاب الوعظي في وسائل التواصل تؤكد ما ذهب إليه الدكتور الغذامي، إذ نراه مختلفا في شكله ومحتواه عن ذاك الخطاب الذي نقرأه في كتب علماء الدين الإسلامي السابقين والمعاصرين.
ففي الحين الذي كان فيه السلف يرسلون كلماتهم الوعظية للناس كاسم جامع للذكر والأنثى، نقرأ في وسائل التواصل خطابا موجها للمرأة وحدها مطالبا لها بالعفة والحشمة، ومحملا إياها وحدها وزر الخطيئة وإن شاركها إياها الرجل! وكأن الخطيئة امرأة، أو أن الفتنة امرأة!
هناك إذن تزامن بين المرأة والخطيئة يكتنزه الخطاب الوعظي التويتري، فالمرأة رمز، ومعادل لفظي لخطيئة تتلبسها بديهة وإن كانت خطيئتها متعلقة برجل، فهي –المرأة- خطيئة آدم الأولى حين أكل من الشجرة المنهي عنها بغواية من امرأته، كما جاء في التوراة المنسوبة لموسى عليه السلام، ففي سفر التكوين: «فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للعيون، وأن الشجرة شهية للنظر، فأخذت من ثمرها وأكلت، وأعطت رجلها أيضا معها فأكل» وكما نقرأ من النص المنسوب للتوراة فإن آدم كان بلا إرادة، وكانت حواء متصدرة للمعصية فوقعت بها وأوقعت معها زوجها آدم، يتضح هذا أيضا في رد آدم حين سئل عن سبب أكله من الشجرة، فيقول في سفر التكوين: «فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت»، وبعدها يأتي الإقرار بأن آدم ما هو إلا تابع لخطيئة امرأته، «وقال لآدم: لأنك سمعت لقول امرأتك، وأكلت من الشجرة التي أوصيتك قائلا لا تأكل منها»، ثم ينزل العقاب بالمرأة الغاوية المغوية، فيكون عقابها بالحمل والولادة وأن تصبح أمة صامتة لرجل هو سيدها، كما جاء في سفر التكوين: »وقال للمرأة: تكثيرا أكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولادا، وإلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك«!
هذه اللغة المحرضة ضد المرأة في التراث اليهودي باعتبارها سببا لخروج أبينا آدم من الجنة، هي ذاتها اللغة والمضمون الإنجيلي الذي خلص الرجل من خطيئة آدم بصلب يسوع، بينما خلاص المرأة من خطيئتها لا يتحقق إلا بعذاب الولادة والإذلال في حضرة رجلها السيد، كما جاء في رسالة بولص إلي ثيماوس: »لتتعلم المرأة بسكوت في كل خضوع... وآدم لم يغو، لكن المرأة أغويت فحصلت في التعدي، ولكنها ستخلص بولادة الأولاد» خطاب بولص يبرئ آدم من الغواية ويجعلها لازمة من لوازم حواء والتي ستبقى تكفر عنها بالصمت والخضوع لسيدها الرجل، وحرمانها من السيادة مطلقا حين يقول في ذات الرسالة: «ولا تتسلط على الرجل، بل تبقى في سكون«.
أسطورة المرأة الخطيئة هي إحدى الثوابت العقلية المتوارثة في اللاشعور الجمعي الإنساني، وهي في أصلها أسطورة دينية لأديان سبقت الإسلام، إذ تنمو الأسطورة في الدين والأدب والفن بعد أن تموت الطقوس التي كانت علة وجودها كما يقول جيمس فريزر، وقد ماتت التعاليم اليهودية ببزوغ الإسلام لكن هذه التعاليم تحولت لأساطير كامنة في اللاوعي ظهرت في الخطاب الديني الحديث على وسائل التواصل، متجاهلة التعامل القرآني مع خطيئة آدم ومع زوجه حواء، والمختلفة مضمونا ولفظا عن تعامل الأديان السابقة.
في القرآن الإغواء منسوب للشيطان، وآدم هو المسؤول عن خطئه وخطأ زوجه بطاعتهما للشيطان، ذاك أنه رب الأسرة، وزوجه في كنفه، يقول عز وجل: »فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى« طه الآية 120، وقال: «وعصى آدم ربه فغوى» طه الآية 121. فآدم غوى ولم تذكر حواء كون خالقها يعلم ضعفها وتبعيتها لزوجها، فيحمله كامل المسؤولية عن هذه الخطيئة بقوله تعالى: «ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما»، وحين تأتي الاستتابة نجد آدم هو من تِيب عليه دون حواء وفي هذا إشعار بأنها ليست المسؤولة الأولى عن ذلك الخطأ، كما أن مفهوم القوامة يبرز هنا ويتضح معناه.
عاتب الله آدم في القرآن، ونسب الغواية إليه دون حواء، ولم نجد خطابا قاسيا للمرأة في القرآن، أو تحميلها أي مسؤولية تتعلق بذنب يقترفه الرجل بمعيتها، بينما الحال مختلف فيما سبق من نصوص توراتية وإنجيلية، والتي كانت المستقى الأصلي للخطاب الوعظي على مواقع التواصل، هذا الخطاب الذي يلقى شعبية عريضة من المتابعين كنسق ثقافي متسيد، يشي بأنه صنيعة ذهنية للشعور الجمعي للشريحة المغذية له، ومعادل لفظي لرواسب رمزية كامنة في اللاشعور الجمعي تحولت إلى ثوابت عقلية، ونسق ثقافي دخيل استطاع أن يفرض نفسه.
وكما بدأت حديثي بسؤال أختمه بسؤال: من أين استقى الخطاب الوعظي التويتري لغته الخطابية، من القرآن أم من ذهنية لا شعورية صنعها الموروث الجمعي لأساطير دينية ألغاها الإسلام؟.
أترك الإجابة للقارئ الكريم.

