في مقالي الأخير عاتبت العزيزين زهير كتبي وعبدالله الطويرقي على خوضهما في الشأن الإعلامي دون إلمام كبير بخفاياه، واليوم أحاول ألا أقع فيما نهيتهما عنه وأنا أتحدث عن الشأن التعليمي، خاصة بعد أن شدني للكتابة إليه الخبر الذي بثته قناة أبوظبي الفضائية أمس الأول وينص على أن وزارة التربية والتعليم الإماراتية أنهت 95% من أعمال صيانة المدارس الحكومية استعدادا لبدء الدراسة، وسيتم إنجاز الـ5% الباقية خلال العام الدراسي بعد انتهاء دوام الطلبة.

وهنا قفز إلى ذهني سؤال، كم أنجزت وزارة التربية والتعليم لدينا من صيانة للمدارس الحكومية؟ هل لديها إحصائية بذلك وخطة لإكمال الباقي أم أنها لم تبدأ بعد؟ هل سنجد من أبنائنا من سيدرس في مطابخ ودورات مياه أم سيحصلون على الحد الأدنى من اشتراطات التعليم؟
بداية لن أزيد في الحديث عن التعليم والمعلمين عما ذكره الزميل خضر بن سند في مقاله المنشور أمس بصحيفة مكة بعنوان «من هموم المعلمين والمعلمات»، وفيه تفصيل كامل لمعاناتهم واحتياجاتهم، ولكن سأتحدث عن التعليم الذي عشته قبل 40 عاما، أثناء دراستي في مكة المكرمة بمدرسة الملك فيصل النموذجية.
كان معلم الصف الأول صالح الجمعان، نموذجا لما ينبغي أن يكون عليه المعلم في العلم والأدب والمثابرة والبحث عن كل ما يخدم العملية التعليمية، قل مثيله اليوم في تعليمنا العام والخاص. كان من شدة حرصه على عدم الخطأ في تلاوة القرآن، أن يقوم بتسجيل السورة المقررة للدرس بصوته أكثر من مرة قبل أن يعتمد الصحيح منها وإسماعها لنا، في زمن لم تكن التسجيلات الإسلامية حاضرة لتزويده بأحدث التلاوات. وكان مبرره في ذلك أن الطفل إذا ما تلقى نطق الآية القرآنية بطريقة خاطئة، فإنها سترسخ في ذهنه بصورتها الخاطئة، وكذلك الحال إذا استقبلها بشكل صحيح.
كان إذا لاحظ انخفاضا في مستوى أي طالب، فإنه يبادر بزيارة أسرته في منزلها ليستعلم منهم عن سبب الانخفاض، ومعالجة ذلك، وكذلك الحال إن ارتفع أداؤه، فإنه يقوم بزيارة مماثلة ليحث الأسرة على المحافظة على الأجواء التي ساعدت ابنهم على التقدم.
كان يختار من الطلاب من يشعر أنه أقلهم عطاء وانطواء، فيطلب منه تقمص دور المعلم والشرح لباقي الفصل، ويزيد على ذلك بأن يلبسه غترته وعقاله لمنحه مزيدا من الثقة.
كان معلم الحساب فارس محيسن لا يحتاج من دقائق الحصة الـ45 إلا لنصف ساعة من التركيز، لترسخ في أذهاننا جميع العمليات الحسابية، لتبقى المراجعة بعد ذلك لتنفيذ الواجب المنزلي فقط.
كان معلم اللغة العربية سالم بشرف لا يتوانى عن شرح أي شيء في أي وقت وتحت أي ظرف، طالما أنه يشعر برغبتك في التعلم والاستفادة.
لم يمنع حزم وشدة معلم الدين نويفع اللقماني، عن رسم ابتسامته على محياه، حتى عندما أصبح وكيلا للمدرسة سخر قوة شخصيته وهيبته لفرض الانضباط بالحب لا بالعقاب.
كان في اليوم الدراسي من البركة ما يسمح للطلاب بتلقي حصص الموسيقى والمسرح والأنشطة الفنية والرياضية، لتفاجأ بعد كل هذه السنين أن بعضنا ما زال يحتفظ ببعض تلك المهارات.
كان جميع المعلمين يمشون بين الطلاب بهيبتهم ووقارهم لا بعصيهم، ولذلك عندما طلبت إدارة المدرسة من الجميع عدم مغادرة باب المدرسة أثناء الفسحة الكبيرة، لم يجرؤ أحد على مخالفة ذلك، بالرغم من أن المانع كان قرارا مكتوبا على ورقة (A4).
الأكيد أني إلى وقت قريب كنت ألقي بلائمة تدهور التعليم على خطة التوطين التي اعتمدتها الدولة لتوظيف الخريجين، فأحلت «موظفين» بدلا عن «معلمين»، ولكن بعد استعراض أسماء معلمي الماضي، أجد أن معظمهم سعوديون، وغيرهم كانوا محدودين ولعلوم معينة، وبالتالي هم ليسوا كل المشكلة.
ليبقى السؤال، ما هي إذن كل المشكلة، ومتى فقدنا بوصلتنا التعليمية؟ أعتقد جازما أننا إذا أجبنا عن هذين السؤالين فإن الحل لن يستعصي على رجالات التعليم اليوم.

 

[email protected]

alnowaisir@