لم يتوقع جاك دورسي يوما أن موقع تويتر سيصبح ساحة للمعارك السعودية بامتياز، بل أكبر بلد من حيث استخدام تويتر، باحتلال المركز الأول بنسبة ٤١٪ من المستخدمين النشطين حول العالم، وهذا وفق الدراسة التي أجراها قسم الإحصائيات في موقع «بيزنس إنسايدر»
بمعنى أنه أصبح يحق للسعوديين التحكم في مسار هذه الوسيلة الاجتماعية، التي أتت حاملة هدف التعبير عن الرأي بأقل الكلمات
فعلا جاك دروسي مؤسس تويتر حكيم، جاءنا بفضاء محدود، يطلق فيه العنان لمخزون المعاني والأفكار، التي طالما تضاربت في الأذهان ولم تجد مساحة تطل منها، ولكن السؤال المطروح لماذا السعوديون تحديدا الأكثر استعمالا لهذا الموقع في الشرق الأوسط؟ طبعا إذا استشرنا مختصي علم النفس والاجتماع فسوف يشبعوننا بتحليلات معقدة تصب في نحو واحد، أن مجتمعاتنا تحمل كتلة من العقد النفسية والتاريخية والاجتماعية تطل على شكل ظواهر من فترة لأخرى، وهذا إلى حد كبير قد يكون صحيحا
لكن من دون الحاجة لمختصين، فقليل من التأمل كاف للحكم على ما يحيط بنا من تغريدات لبعض الشخصيات المريضة التي تسعى إلى حب الظهور وخوض معارك تتأجج فيها الطائفية والعنصرية، وهنا يكون تويتر قد قدم خدمة عظيمة للمتربصين بنا، حينما كشف لهم كل أنواع الصراعات في بلادنا بشكل فاضح، ومن خلال ذلك يمكن تحريك وتنفيذ الكثير من الأجندات دون عناء
يمكننا القول إن العراك والتعصب للرأي أصبح منتجا عربيا سعوديا بامتياز وهذا ما فضحه دورسي في فضائه الالكتروني الواسع، يكفي إلقاء نظرة بسيطة على هاشتاقات مملكتنا الحبيبة فستجد التشنج قائما بين كل الأطراف
ولعل الهاشتاقات التي كتبت الأيام الماضية حول جدل الزميل داود الشريان والدعاة الأربعة وما حدث بعد ذلك بين أنصار المتخاصمين لهو أكبر شاهد على الغلو في طرح الأفكار وطلب العون والفزعة بحثا عن نشوة الانتصار وشهوة الحضور
وحقيقة لا أريد الحديث عن هذه القضية لأنها برأيي لا تستحق هذه الجَلَبة كلها
لا أعتقد أن ما يحيط بنا في هذا العالم الافتراضي ظاهرة صحية، بل هي نتيجة بعض التراكمات البيئية المحيطة بالشخصية السعودية، كرست داخل من استسلم لها عظمة الأنا التي ترفض قبول الطرف الآخر وكيفية الاختلاف معه، والتي قد تكون نتيجة لكبت متراكم عبر سنين طويلة على مختلف الأصعدة، أنتجت لنا أجيالا غير قادرة على التواصل السليم
كما يجب ألا نغفل أحد أكثر الأسباب خطورة وهو الفراغ الذي يسيطر على مدمني التغريد، وهذا قد يعطي مؤشرا بأن طاقات هؤلاء تتجه في الاتجاه المعاكس على حساب العمل والإنتاجية
في الحقيقة لا أستطيع إلى الآن إعطاء موقف محدد، فهل يحق لي الفرح لأننا مصنفون ضمن الأوائل في استخدام تويتر؟ ولماذا ليس في التعليم أوالطب أو الابتكار؟ أم أنه لا يحق لي إلا الأسف لأن كثرة التغريد إلى حد الإدمان قد تكون مؤشرا واضحا للفراغ المضر بالمجتمعات!