تستحقّ بعض الأمور الصراحةُ لأنّ أيّ لبس فيها يخلِطُ الأوراق دونما نفع، واستخدام العبارات ذات المعنى الواحد حتميٌّ في الحقوقيّات، كذلك فالعلاقات الشخصيّة تحتاجُ لبياض قول دونَ حرَجٍ أو إحراج ليستقيمَ الإصلاح، والأرقام والتجارب العلمية استحقاقٌ للوضوح والدقة لضمان سلامةُ المُخرجات، إذن فكل هذه الأمور وأشباهها مستحقٌّ للوضوح بواقعيّة وموضوعيّة لا غُبارَ عليها في مساحاتٍ لا تسمحُ بغير ذلك ولا يبقى في حلبةِ سباقها غيرَ الواضحين، لكنّ اجترار ذات المناخ لتعلو أصواتُ المُنادين بكشف المستور والداعمين للحرّيات بلا حدود فيلتفت الإنسان لجسدِه ويهتِكَ سترَه، وتسرع البشرية لاقتحامٍ للخصوصيّات دون استئذان، وتقفز فوق حواجز الخطوط الحمراء هو الطّفرة الخاطئة في الاتجاه الخطأ. نحنُ جميعاً تعوّدنا على أن نكونَ صريحين حينَ يستلزمُ الأمر دونما عناء، ولبِقينَ حينَ توجبُ ذلك الضرورة، وخجولين لمّا ترتبط الكلمات بما لا يُذكر في العادة، وبعْضُنا يُطلِقَ صَفّارة إنذارٍ في الوقت الذي يُضطّرّ فيه لتقشير أغلفة الكلام وتعرية الحروف فيقول قبل البدءِ في هذه العمليّة الاستثنائيّة لمن يسمعُه «على بَلاطَة» مستخدماً ما «للبلاط» من صفاءِ لونٍ ونُعومة ملمس وظهور الأشياء على سطحه للناظرين وسماعِ صوت ما يرتطمُ به في تنبيه الآذان أنّه سيُخالف المعهود، ويسير الزمن ليزعجنا ما صنعتْهُ تلك «البلاطة» في تقاليد المجتمعات بعدَ عصور الأعراف والأديان والأخلاقيات، ويأتي زمنٌ يكونُ كلّ الكلام «على بلاطة» وكلّ النتاج الفكري والثقافي والفنّي «على بلاطة» ولا مجالَ للتفكير فيما وراء الخبر ولا ما خلفَ النّص، لأنّ الساحة مُتخمة بالصّريح والواضح والفاضح في كلّ الشؤون، ولا فرقَ بينَ حديثٍ عن أسبابِ انتشار مرض «الإيبولا» في أفريقيا الجائعة وبين الحديث عن مكانة «جزءٍ من الجسد» عندَ من يعبُدُه، فهناك من قالَها «على بلاطَة» واقترح ما يدعونها «التربية الجنسيّة» فقلّد شعراءُ وكُتّاب قصةٍ هذا الفنّ فخدشوا، وبحث لهم النقاد عن عذر فانشغلوا بتبيين ارتباط مُسمّيات المُجون مع احتياجات النّفس من المشاعر زعموها مثلَ الهواء والماء، واستخدموا في ذلك نفس «البلاطة». والغريبُ أنّ من أغرتهم صفحات «البلاط» الأبيض فدَنّسوها بغوايتهم يأتونَ على الواجبِ تبيينه ويستخدمون توريةً ومجازاً واستعارةً، ويسعَدونَ لأنّ كلماتهم تُدهَنَ بها مُحرّكات الفساد فتجري، وسُيور التضليل فتُجدي. تناقضٌ لم يبق لنا موطئ قدمٍ إلا وتحته «بلاطة» زجاجيّة ناصعة الإظهار تُبينُ لنا قبلَ غيرنا سوءاتٍ ستَرها الله عنّا وأبيْنا إلا أن نكشفها لبعضنا البعض لمجرّد الفضول المريض، والله يقول: «يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنّكُمُ الشَّيْطانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا».