استكمالاً لمقال الأسبوع الماضي الذي نشر بعنوان «جهاز رقابي موحد للقضاء على الفساد»، والذي ناقش انتشار الفساد المالي والإداري، ولخص ضعف أداء الأجهزة الرقابية الحكومية في نقاط عدة منها: تعدد الأجهزة الرقابية (الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، هيئة الرقابة والتحقيق، ديوان المراقبة العامة)، مما أدى إلى تشتيت جهود الرقابة وإضعافها، وقوة نفوذ من يمارسون الفساد، وتفوق نفوذهم على الصلاحيات الممنوحة للجهات الرقابية، وتشتيت الجهات الرقابية جهودها في قضايا صغيرة وثانوية على حساب الرقابة على القضايا والمشروعات الكبرى التي توغل الفساد في مفاصلها وأثر على التنمية بمفهومها الشامل.
ولأن دور الأجهزة الرقابية يأتي في مرحلة لاحقة للقضاء على الفساد بعد أن ينتشر ويستشري، فإن هناك عوامل أخرى تعد خط الدفاع الأول في الحد من انتشار الفساد ومكافحته، ولا يمكن إغفالها أو تجاوزها، هذه العوامل ترتبط بشكل مباشر بالمنظومة التشريعية والقانونية والقضائية والإدارية، سأوردها بإيجاز، وأترك التفاصيل لخيال القارئ لعل وعسى أن يجد في خياله ما يبرر هذه العوامل، منها:
ـ ضعف القضاء الإداري، وبطء البت في قضايا الفساد التي تحال إليه من الجهات التحقيقية، وانتهاء بعض القضايا ـ رغم الإدانة بأدلة قطعية ـ بالبراءة بأحكام مسببة.
- تقادم كثير من الأنظمة بما لا تتوافق مع معطيات ومتطلبات العصر الحالي، بعض هذه الأنظمة تجاوز عمرها نصف قرن دون تحديث أو تطوير، مع وجود ثغرات قانونية استغلها المفسدون للتحايل على هذه الأنظمة.
- بطء البت في مشاريع الأنظمة الجديدة التي ترفعها الجهات الحكومية، وبقاؤها سنين طويلة متداولة بين هيئة الخبراء، مجلس الشورى، ومجلس الوزراء، وعندما يتم إقرارها بعد فترة زمنية طويلة من المداولات تكون هذه الأنظمة قد تقادمت، وأصبحت تحتاج إلى تعديل لوجود مستجدات طرأت خلال فترة دراستها بين تلك الجهات.
ـ ضعف مواد العقوبة في نظام المنافسات الحكومية، فالعقوبة لا تتجاوز 10 % من قيمة العقد، ولذلك لا يبالي المخالف بقيمة الغرامة أوالعقوبة، لأن قيمتها لا تتجاوز مئات الآلاف من قيمة العقد الحكومي المبالغ أصلاً في تقدير قيمته.
ـ كثرة الاستثناءات التي كبلت وقيدت بعض الأنظمة، وجعلتها غير قادرة على حماية نفسها، وبالتالي لعبت هي الأخرى دوراً مفصلياً فتح المجال للواسطة والمحسوبيات، مما ساعد وساهم في تشريع كل ما هو مخالف.
وبما أن البلد حالياً مليء بمشاريع التنمية، وتحديث وتطوير البنية التحتية، وعداوة الفساد للتنمية لا يشكك فيها أو ينكرها أحد، وانتصار التنمية على غول الفساد يتطلب وجود منظومة تشريعية وقضائية وإدارية متكاملة تتمثل في بيئة قضائية متطورة، وأنظمة محدثة تواكب متطلبات المرحلة الحالية، وأجهزة مكافحة فساد فعالة، وهذه المنظومة قد وضعت موضع التنفيذ، ويحظى تطويرها بدعم غير مسبوق.
فهل سينتصر مشروع تطوير القضاء ذو التسعة مليارات ريال للوطن والمواطن، ويقتص لهم من الفساد والمفسدين، كائناً من كان، ويعزز استقلالية القضاء الإداري، ويتجاوز ضعف الماضي وعثراته؟.
وهل ستنتصر اللجنة المشكلة في هيئة الخبراء لدراسة ضوابط من يتولى المنصب القيادي في الوظائف الحكومية للمخلصين، ونظيفي اليد، وتضع ضوابط تحرم أصحاب السوابق الجنائية ممن صدر بحقهم حكم بقضايا مخلة بالأمانة وشرف الوظيفة من تولي مناصب قيادية لو بعد عشرات السنين، وهل ستطبق وتفعل هذه الضوابط في حال إقرارها، وهل ستنتصر هيئة الخبراء للوطن والمواطن في سرعة دراسة الأنظمة التي طال أمد انتظارها، وإحالتها لمجلس الوزراء.
وهل ستنتصر الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة» للمال العام، وتنجح في انتزاع إقرار الذمة المالية لمحاصرة الإثراء غير المشروع من الوظيفة العامة٬ والقضاء على استغلال النفوذ الوظيفي للتكسب من الوظيفة بطريقة غير مباشرة عن طريق الهبات والمنح.
وأخيراً، هل ستنتصر التنمية، والوطن والمواطن نظيف اليد، أم سينتصر الفساد، وتضيع التنمية في دهاليزه، وتدق المنظومة التشريعية، القضائية، والإدارية آخر مسمار في نعش التنمية؟
من سينتصر التنمية أم الفساد؟
محمد العوفي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
