بدأت الحياة التعليمية النظامية في السعودية متواضعة جداً فكانت عبارة عن مدارس متناثرة وكان المعلمون - أكثرهم - يسمون معلمي ضرورة، وهم الذين لا يملكون شهادة نظامية ولكنهم تعلموا في الكتاتيب وأجادوا فنون القراءة والكتابة والحساب ونحوها، أو متعاقدون وهم من خارج السعودية، ويسمون بعرف تلك الحقبة قبل 50 عاما المعلمون «المقاولون» قبل أن ينحصر لقب المقاول الآن على شركات الأعمال الإنشائية والبناء، وكان الطالب عندما يتخرج في الصف الرابع الابتدائي يعين مدرساً في كشوفات الوزارة، ثم تطور الأمر وفتحت معاهد للمعلمين المتخرجين من الابتدائية أو المتوسطة، وتطور الأمر وبدأت موضة الكليات المتوسطة التي تتبع وزارة المعارف، ثم أصبح الآن جميع المعلمين والمعلمات من خريجي الجامعات العريقة، وكانت الدولة تبحث عن معلمين وطنيين بأي وسيلة، فكان المتخرجون في الجامعة من أي تخصص يتم تعيينهم مباشرة.
كانت النفوس طيبة والحياة رخيصة وهيبة المعلم ظاهرة ومخرجات التعليم جيدة، وكانت الوظائف منتشرة والوعود والأحلام تملأ الفضاء، فلا يأتي وزير حتى يسوّد الصفحات وينشر تباشير الأمل للمعلمين والمعلمات، اعتاد الجيل الماضي الذي يقدر بمئات الألوف من أصحاب هذه المهنة على تلك التصريحات النارية، فهذه الوعود تدخل عالمنا صوتياً فقط وتغادر مع نهاية فترة الوزير الموقر لتبدأ وعود جديدة من الوزير اللاحق.
مضت الأيام والليالي وزاد عدد السكان وتكاثرت الوظائف وقفزت إلى نصف مليون وظيفة فقط للمعلمين والمعلمات، وأصبح المتخرج من الجامعة وقد حمل شهادة في مركزه في التعليم وطرق التدريس يلزمه الانتظار بضع سنين حتى يجد وظيفة رسمية في أي قرية نائية، وعليه خلال فترة الانتظار أن يصطلي نار المدارس الأهلية التي تعامل المعلم على أنه مجرد عامل مهني يتقاضى أقل من أجور العمال الوطنيين.
مع تقادم الأيام اتضح أن كثيراً من تلك الوعود ليست إلا وعيداً ضد المعلم، ومع مرور الأيام بقيت عقلية الوزارة القديمة قبل ستين سنة لم تتغير، ربما يندهش القارئ العادي من أن الوزارة إلى اليوم تعتبر أن دفتر التحضير الورقي هو أهم أدوات تقويم المعلم رغم تلك الوعود بتسليم الطلاب أجهزة الكترونية محمولة وتلك الوعود بالنقلة الالكترونية الهائلة !!.
تقدمت الوزارات وبقي المعلم - والمعلمة- لا يمكنه إنجاز أي معاملة من وزارة التربية أو إدارات التعليم إلا بحضوره شخصياً ولو كانت الإدارة تبعد عنه بضع مئات من الكيلومترات!.
كل شيء تطور في التعليم العالمي إلا عندنا، فبقي المعلم يحاسب على دفاتر الواجبات المنزلية وتصحيحها يدوياً وكتابة ملاحظاته بالقلم الأحمر لمئات الدفاتر والصفحات أسبوعياً فالفصول قد حشر فيها أربعون طالباً أو خمسون في المدارس الكبيرة! ثم بعد ذلك يقيدها في كشوفات الدرجات بنفسه ثم يرصدها بنفسه أيضاً ضمن الكشوفات الشهرية شخصياً بدون خطأ حتى لا يقع تحت طائلة العقوبات والمساءلة والاتهام بالتقصير!، غالباً لا يلام الطالب كثيراً على دفتره بل يلام المعلم على تقصيره وتصحيحه!.
لو فتشنا في أغلب المدارس الحكومية عن غرف المعلمين التي يصححون فيها دفاترهم ويقضون فيها دقائق انتظارهم ونظرنا في تجهيزاتها البالية وتعاملها بالتقنية المعدومة لوجدنا أن حقوق المعلم تأتي في مؤخرة الاهتمامات!.
تقدمت التقنية ولكن المعلم والمعلمة في طي الحرمان من تأمين طبي أو مستشفى متخصص لهم فهم يراجعون بعوائلهم وأطفالهم مع الطلاب سواء بسواء في الوحدات الطبية التي اعتمدت أنظمتها قبل 60 سنة !! لم تسع وزارة التربية كثر الله خيرها لإيجاد تذاكر مخفضة لهم أو فنادق ومطاعم ومستشفيات تقدم لهم خدمات وخصومات.
هذه بعض هموم المعلم، فالإعلام ينهش أجساد المعلمين لأنهم عنفوا طالباً، والمعلم والمعلمة يلقيان صنوف التعنيف أمام الملأ بدون من يدافع عنهما.
يداوم المعلمون بعد الفجر مباشرة، فدوامهم قبل دوام عباد الله الموظفين، وإذا أخذوا إجازة في الصيف مع الطلاب فبدون أي مميزات طبعاً، فلا تذاكر ولا فنادق ولا رواتب إضافية، ويقول الناس والإعلام إن المعلمين أكثر الناس إجازة وكأنهم يريدون أن يسجنوهم بين جدران المدارس لوحدهم !!