أثار لجوء الحكومة المصرية لطرح شهادات استثمار لتمويل حفر مشروع الممر الملاحي لقناة السويس الجديدة، بديلا عن الأسهم والسندات التساؤلات حول مغزى اللجوء لهذه الوسيلة من التمويل.
خبراء اقتصاديون ومحللو أسواق مال مصريون ساقوا أسبابا عدة وهم يجيبون على هذه التساؤلات، وأشاروا إلى أنه يأتي في مقدمتها الحفاظ على الأمن القومي لمصر تخوفا من استحواذ الأجانب على أسهم في القناة، والحفاظ على استمرار إدارتها في صورة هيئة وليس شركة، إضافة إلى عدم كفاية فترة الإعلان عن المشروع وجدواه الاقتصادية لإصدار أسهم وسندات، كما أن ارتفاع عائد الشهادات وثباته وما تتمتع به من ضمانات سيسهم في زيادة إقبال المواطنين على تمويل المشروع من خلالها.
وكانت الحكومة المصرية تسعى إلى طرح أسهم وسندات على المصريين فقط، لتمويل المشروع الجديد، الذي تتوقع مصر أن يزيد من إيرادات قناة السويس، لكنها عدلت عن الفكرة وطرحت شهادات استثمار لتمويل المشروع.

 

صعوبة تحويل القناة إلى شركة

المدير التنفيذي لمجموعة مالتي بلز للاستثمار عمر الشنيطي يرى أن تمويل مشروع قناة السويس الجديدة من خلال طرح أسهم وسندات يعد أمرا صعبا نظرا لضرورة وجود كيان متمثل في شركة يتم تخصيص جزء من القناة لها، مبينا أن التمويل عن طريق شهادات الاستثمار يعد الأسهل على جمهور المواطنين، الذي عادة ما يفضل اللجوء إلى الاستثمار في شهادات الاستثمار بدلا من السندات.
من جهته يرى خبير أسواق المال المصرية مصطفى نمرة أن اتجاه الحكومة لشهادات الاستثمار بدلا من الأسهم ليس له علاقة بالخوف من استحواذ الأجانب على أسهم قناة السويس الجديدة كما توقع كثيرون، مشيرا إلى وجود أكثر من طريقة معروفة لمنع تملك الأجانب، بعضها مطبق بالفعل على أسهم شركات سيناء، المقيدة في البورصة حاليا.
وأضاف نمرة لكن لكي نطرح أسهم مشروع كهذا لا بد من تحويل الهيئة (هيئة قناة السويس)، إلى شركة قابضة مساهمة، تمتلك الأراضي ولها حق تحصيل الرسوم ودفع الضرائب، وإعطاء امتيازات لشركات أخرى، للاستفادة من أراضي القناة، وهذه خطوة يستحيل تنفيذها نظرا للبيروقراطية المعقدة ودواعي الأمن القومي.


الشهادات حل سهل ويختصر الوقت

الخبير الاقتصادي ونائب رئيس الجمعية المصرية للتمويل والاستثمار محسن عادل يقول: توجد أسباب عدة وراء لجوء الحكومة إلى تمويل مشروع قناة السويس عبر طرح شهادات استثمار، يتقدمها أن الشهادات ستلاقي طلبا كبيرا من المواطنين، خاصة أنها ستصدر للأفراد والمؤسسات المصرية في داخل وخارج مصر، وبضمان وزارة المالية، ويرتكز السبب الثاني على أن الحكومة لجأت للحل الأسهل، والمتمثل في إصدار شهادات استثمار، خاصة أن الفترة المتاحة للإعلان عن تنفيذ المشروع لم تكن كافية لتسمح للحكومة بإصدار أسهم أو سندات خاصة، كما أن الطرح في البورصة يتطلب معلومات مفصلة ودقيقة بشأن المشروع، أما السبب الثالث فيكمن في أن نسبة المخاطرة لحامل السهم تعد مرتفعة مقارنة بشهادات الاستثمار التي تعد مضمونة العائد، وبعد الانتهاء من الدراسات التفصيلية لمختلف المشروعات المطلوبة لتنمية إقليم قناة السويس، ستتاح أمام الحكومة في المراحل اللاحقة مختلف البدائل التمويلية، التي تتضمن إضافة إلى التمويل المصرفي اللجوء لسوق المال، من خلال إصدار أسهم وسندات أو صكوك.


استبعاد الأسهم لاعتبارات الأمن القومي

رئيس مجلس إدارة شركة عربية أون لاين للوساطة هشام توفيق يؤكد أن الحكومة لم تلجأ إلى تمويل المشروع عبر الأسهم بسبب حساسية موقف قناة السويس وحتىلا تفتح المجال أمام الشركات والمؤسسات للسيطرة على حصة كبيرة في المشروع، والوسيلة الأفضل لتمويل المشروع هي السندات وليس شهادات الاستثمار خاصة، خاصة أنها قابلة للبيع من شخص إلى آخر على عكس شهادات الاستثمار، إلا أن السبب الرئيسي وراء لجوء الحكومة إليها كونها أبسط وأسهل للمواطنين.
أستاذ الاقتصاد بكلية العلوم الإدارية جامعة الكويت د.محمد السقا يرى أنه لا يمكن من الناحية العملية تمويل المشروع من خلال أسهم، تطرح على الجمهور ويتم تداولها في البورصة، حيث من الممكن أن يتم تملك قدر كبير منها من خلال مجموعات استثمارية محددة لاحقا، سواء كانت محلية أو أجنبية، بما يتعارض مع طبيعة المشروع الهام بالنسبة لمصر، والذي من الناحية الاستراتيجية ينبغي أن تكون ملكيته عامة بنسبة 100%.
وأضاف السقا، أنه بعد استبعاد فكرة تمويل المشروع من خلال الأسهم، تبقى خيارات التمويل إما عن طريق الموازنة العامة للدولة، وهذا غير ممكن حاليا، أو عن طريق الاقتراض والذي يمكن أن يتم إما من خلال السندات أو شهادات الاستثمار، وكلاهما يحقق نفس الغرض في تدبير التمويل اللازم للدولة.
ويؤكد خبير أسواق المال رئيس مجلس إدارة شركة شمال الصعيد للتنمية والإنتاج الزراعي نيوداب وائل النحاس أن لجوء الحكومة لإصدار شهادات استثمار لتوفير الاحتياجات التمويلية لمشروع حفر وتوسعة قناة السويس بديلا عن الأسهم والسندات جاء بهدف الحفاظ على الهوية المصرية والأمن القومي، كما أن شهادات الاستثمار توفر أيضا مزايا مثل السهولة والسرعة وإتاحة الفرصة لمشاركة واسعة، إضافة إلى أن شهادات الاستثمار منتج مصرفي اعتاد عليه ملايين المصريين، ولا يحتاج إلا لوقت قصير لإطلاقه تحت إشراف ورقابة البنك المركزي.
العضو المنتدب لشركة أموال للاستثمارات المالية محمود جبريل يرى أن الدولة تسعى عبر طرح تلك الشهادات إلى تشجيع المواطنين للإقبال على شرائها في ظل ارتفاع العائد عليها، الأمر الذي سيجعلها تسهم بشكل سريع في توفير التمويل اللازم للمشروع خلال الفترة المقبلة، وعلى الرغم من أن شهادات الاستثمار تعد الأداة الوحيدة التي جرى اعتمادها حاليا لتمويل المشروع نظرا لسهولة إجراءاتها ومعرفة المواطنين بها، إلا أن هناك إمكانية لاستخدام أدوات تمويل أخرى بعد فترة إذا اقتضت الضرورة ذلك، خاصة وأن شهادات الاستثمار لن تزيد الأعباء على الموازنة العامة للدولة، كون عائد الشهادات سيرد من عائدات قناة السويس.


معالم المشروع وآليات تمويله

يعتمد مشروع “ قناة السويس الجديدة” الذي أعطى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، إشارة بدء تنفيذه في الخامس من الشهر الجاري، على حفر ممر ملاحي يوازي الممر الملاحي الحالي، ويمتد بطول 72 كلم، منها 35 كلم حفر جاف، ونحو 37 كلم توسعة وتعميق لأجزاء من المجرى الحالي للقناة، بجانب إنشاء 6 أنفاق لسيناء تمر أسفل القناة، وسيخفض المجرى الملاحي الجديد زمن انتظار السفن بقناة السويس من 11 ساعة إلى 3 ساعات على أقصى تقدير، وزيادة عدد السفن العابرة يوميا من 49 سفينة في المتوسط خلال 2014، إلى 97 سفينة يوميا في 2023.
تكلفة المشروع وفق الجدول الزمني القديم، الذي يستغرق ثلاث سنوات نحو 8.2 مليارات دولار، منها 4 مليارات دولار لشق المجرى الملاحي الجديد.
حددت الحكومة المصرية، السعر العائد على الشهادات بنحو 12% سنويا، على أن يصرف كل 3 أشهر لمدة 5 سنوات، كما تعتزم الحكومة طرح شهادات للمصريين بالخارج بالدولار واليورو بعائد 3%.
يرى الخبراء أن شهادات الاستثمار تملك مزايا عدة تتمثل في ارتفاع العائد الثابت، الأمر الذي سيدفع المواطنين لاستبدال مدخراتهم من الودائع الادخارية الأخرى، واللجوء للشهادات.
وقال وزير المالية المصري هاني دميان، إن الاكتتاب في شهادات استثمار قناة السويس الجديدة سيكون بدون حد أقصى، مبينا أن الحكومة ستسمح باكتتاب بعض أنواع الشركات المصرية في شهادات الاستثمار، وذلك وفق ضوابط معينة تحددها لائحة إصدار الشهادات التي يتم صياغتها حاليا تمهيدا لإعلانها خلال أيام.
وتجري الحكومة العمل على إقرار قانون لإعطاء هيئة قناة السويس حق إصدار شهادات الاستثمار من خلال ثلاثة بنوك حكومية، بغرض تمويل قناة السويس الجديدة، وعرض محافظ البنك المركزي المصري هشام رامز، في اجتماع اللجنة الاقتصادية الوزارية بمجلس الوزراء أخيرا بالقاهرة إجراءات إصدار شهادات الاستثمار الخاصة بقناة السويس الجديدة.
وأضاف رامز أنه يتم الإعداد حاليا لقرار بقانون بإعطاء هيئة قناة السويس حق إصدار شهادات الاستثمار من خلال ثلاثة بنوك حكومية، وهي الأهلي المصري وبنك القاهرة وبنك مصر بغرض تمويل إنشاء القناة الجديدة، مبينا أن العمل جار على إعداد تصميم شهادة الاستثمار التي سيتم طرحها، مضيفا أن البنوك الثلاثة المحددة التي تمتلك 900 فرع على مستوى الجمهورية ستوفر تغطية كاملة، وأضاف، أنه سيتم أيضا إعداد بروتوكول لتوقيعه بين كل من وزارة المالية، وهيئة قناة السويس، والبنوك المشاركة في إصدار الشهادات، ينظم آلية الطرح، وصرف العائد للمستفيدين بهذه الشهادات.


تجنب الاقتراض من البنوك

أكد وزير التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري المصري الدكتور أشرف العربي أن بلاده تعتمد على شهادات الاستثمار لتمويل مشروع قناة السويس الجديدة، مبينا عدم وجود تخطيط للحصول على قرض من البنوك، وقال في حالة عدم قدرة شهادات الاستثمار على تغطية التكلفة، فسيتم التفكير في أدوات أخرى، مشيرا إلى أنه في الوقت الراهن لا توجد أية أدوات إضافية.
وأضاف العربي، أن الحكومة لا تملك في الوقت الراهن نية للجوء إلى أدوات تمويلية إضافية لتمويل مشروع قناة السويس الجديدة، الأداة الأساسية التي نعتمد عليها هي شهادات الاستثمار التي أعلنت عن طرحها على المواطنين والمستثمرين، والتي ستعمل أربعة بنوك على طرحها وهي “الأهلي” و”مصر” و”القاهرة” و”بنك قناة السويس”.
وذكر الوزير أن محافظ البنك المركزي هشام رامز بالتعاون مع البنوك التي تقرر مشاركتها في طرح الشهادات يعقدون اجتماعات مكثفة لطرح الشهادات قريبا.


اختيار تحالف دار الهندسة لإعداد مشروع محور تنمية القناة

قدم تحالف دار الهندسة “الشاعر ومشاركوه” المسجل بمملكة البحرين، ودار الهندسة المصري، الفائز بإعداد المخطط العام لمشروع محور تنمية قناة السويس في مصر، عرضا ماليا بنحو 1.773 مليار دولار، وهو ما يقل بنسبة 30% عن العرض الذي قدمه أقرب منافسيه، وهو تحالف مكتب “رويال هاسكونينج الهولندي” وشريكه المصري “بيسر للاستشارات”، والذي بلغت قيمته 2.473 مليار دولار، وحصل التحالف الفائز على موافقة الأمن القومي، كما وافق مجلس الدولة على بنود العقد بينه وبين الحكومة المصرية.
ومشروع تنمية إقليم قناة السويس عبارة عن تطوير للأراضي المتاخمة لمجرى القناة، واستثمارها في إنشاء مصانع ومناطق لوجستية، ويستهدف توفير إيرادات سنوية بمليارات الدولارات، ويتوزع المشروع بين مدن القناة الثلاث الإسماعيلية والسويس وبورسعيد، فضلا عن أجزاء من محافظتي شمال وجنوب سيناء.
يشار إلى أن العرض الذي قدمه تحالف دار الهندسة جاء أقل بنسبة 45.5% عن العرض المقدم من التحالف الذي جاء في المركز الثالث، وهو تحالف “إنروس لاكنر” الإسبانية مع مكتب “حمزة وشركاه” المملوك للمهندس المصري المعروف ممدوح حمزة، وبلغت قيمة عرضه 3.254 مليار دولار، واختار مكتب الخبرة الفرنسي “إيجيز” التحالف من بين 13 تحالفا.
ووفقا للجدول الزمني، فمن المقرر أن يقدم التحالف الفائز خلال 6 أشهر المخطط العام للمشروع، ليتم طرحه للحوار المجتمعي لمدة شهرين، ويبدأ بعدها طرح الأعمال المدنية، ثم تنفيذ أعمال البنية التحتية، وتلقى عروض الشركات والتوكيلات والتعاقد على تنفيذ المشروعات التي يرسى عليها الاختيار طبقا للمخطط العام.
وأوضح رئيس هيئة قناة السويس، أن الشركات التي سيسمح لها بالعمل في المشروع محور تنمية قناة السويس شركات عالمية كبرى، لضمان تحقيق المواصفات الدولية في المشروعات المنفذة، على عكس مشروع “قناة السويس الجديدة” والذي ينفذ بشركات وعمالة مصرية خالصة.


46 شركة تشارك في إنشاء القناة الجديدة

أوضح رئيس أركان الهيئة الهندسية بالقوات المسلحة المصرية، والمشرف على مشروع قناة السويس الجديدة اللواء كامل الوزيري، أن عدد الشركات العاملة في المشروع الجديدة ارتفع إلى 46 شركة، بالإضافة إلى كتيبتي طرق عسكرية، يستخدمون 3600 معدة مختلفة في الحفر، مبينا أن عدد الشركات سيرتفع إلى 50 شركة تستخدم معدات تتراوح بين 4 آلاف و4.5 آلاف معدة مختلفة.
وأوضح أن حجم الأعمال التي تم تنفيذها منذ اليوم الأول للعمل بالمشروع وحتى الأربعاء الماضي بلغ 11.8 مليون متر مكعب يوميا، بنسبة 91% من إجمالي المستهدف خلال الفترة، مضيفا أن القوات المسلحة بالتعاون مع وزارة الصحة عملت على بناء مستشفى لتقديم الخدمات الطبية للعاملين بالمشروع، كما خصصت محطتين لتزويد المعدات العاملة في المشروع بالوقود.
وأشار الوزيري أن المشروع من المخطط أن يستغرق نحو 11 شهرا، رغم أنه مخصص له 12 شهرا، وذلك لترك شهر من أجل أعمال مراقبة وضمان الجودة، ومراجعة الأبعاد والأعماق، والتجهيزات الهندسية والملاحية.
وقال، إن ما سيجري هو إزالة كل التعديات على أراضي المشروع والتي كانت تابعة لهيئة قناة السويس، والتي تمت زراعتها خلال الفترة الماضية، بدون تعويض أصحابها الذين اغتصبوها من الهيئة، مشيرا إلى أن القوات المسلحة، بدأت بنفسها وإزالة مزرعة أشجار فاكهة تابعة لها بمساحة 2000 فدان، إلا أنه لم يحدد مساحة الأراضي المزروعة التي ستجري إزالتها لأنها تقع ضمن أراضي المشروع.