دعوني أحكي لكم قصتي، أنا شخص درس الكيمياء الحيوية في الجامعة عن طريق الصدفة مع الأسف! لم أكن من الأشخاص الذين يعرفون ماذا يريدون في المستقبل، كانت نسبتي عندما تخرجت من الثانوية ليست بالسيئة، ثم دخلت الجامعة وبعد أول سنة عرضت علي تخصصات علمية وكان بالنسبة لي الأفضل بينها والأكثر إثارة هو الكيمياء الحيوية، طبعا اكتشفت بعد ذلك أنها مثيرة فعلا ولكن للمشكلات في حياتي.
بعد سنتين من الدراسة اكتشفت أنني إنسان يعشق القراءة والكتابة لدرجة أنني مستعد أن أعمل بهما طوال حياتي، ولكن أين المفر؟ كنت متزوجا وكان الفأس على رأسي والكل ينتظر تخرجي للعمل والبدء في ضخ الأموال للبيت.
أكملت دراستي، مجبر أخاك، وتخرجت وحسب الخطة كان المطلوب أن أعمل في مجال تخصصي، وبالفعل عملت في تخصصي بوظيفة حكومية (حط تحتها خطين) وبدأ الرضا يعم البيت والأرجاء وأصبحت الحياة في تبات ونبات.
لكن المشكلة أنني لم أكن سعيدا! أشعر أن عندي انفصاما في الشخصية فما أقوم به في النهار يختلف تماما عما أقوم به في الليل وخارج الدوام. كانت عندي الجرأة أن أقرر ترك العمل والبدء في شق طريقي نحو الكتابة، ولكن هنا تأتي المشكلة التي يمر بها كل شاب سعودي مع أهله.
أتى السؤال من جميع أفراد أسرتي: كيف تترك وظيفة حكومية أنت أكيد مجنون؟ طبعا أنا بكل هدوء لم أستوعب جنوني في الموضوع لماذا أنا مجنون، ما المشكلة في أن أعمل ما أحب؟ ما المشكلة في العمل الذي ليس فيه مكتب وسندوتشات بيض وفول على الصباح وبريك لا ينتهي؟.
طبعاً واختصارا للقصة كملت قراري واستقلت من وظيفتي والآن سعيد ومبسوط وعندي الوقت لكتابة هذا المقال لك يا قارئي العزيز.
ألا تلاحظون أن هناك تصنيفات لدينا في المجتمع حسب هذه الثنائية؛ الحكومي والخاص؟ فمن يعمل في القطاع الحكومي يفترض أنه عاقل وأكثر ذكاء ويخطط للمستقبل، ومن يعمل في الخاص يميل إلى التهور والتسرع وغير مبال بمستقبله. وأيضاً عند الزواج، عندما يتقدم الحكومي فهو يمثل زوجا أفضل لأن لديه صك ضمان مستقبلي لابنته، أما الخاص فوضعه غير مريح بالمرة وقد يفلس في أي لحظة، هذا طبعا تفكير جيل الآباء لدينا، ومع الأسف بعض الشباب هم مثل (هذا ما ألفينا عليه آباءنا).
ما أثبته التاريخ وما يثبته الواقع أن أكثر الناجحين والسعيدين في حياتهم ومن استطاعوا تحقيق أحلامهم ومن يتمتعون بحياة أكثر صحية ووجها مبتسما وأحاديث ترفيهية هم الذين سعوا خلف المجال الذي يحبونه، وتمتعوا بالاستقلالية في نهاية الطريق.
أنا لست ضد العمل الحكومي، أرجو أن تفهموني جيدا، أنا ضد العقلية أو ذهنية العمل الحكومي لذلك سميتها بالثنائية أي البحث عن العمل كوسيلة للراحة، أي أن تكون الراحة هي الغاية وضمان المستقبل المريح.
طبعاً عند الحديث عن مبدأ الراحة تتجلى صور في ذهننا من العقل الجمعي عن المكتب المريح والتربيعة على الكرسي، وقلة ساعات العمل وكثرة الإجازات، وسهولة التسيب في العمل، وصرف الرواتب لآخر عمرك سواء عملت بجد واستحقاق أم لا، هذا الذي أريد محاربته، يقول الإمام ابن القيم:
(المصالح والخيرات واللذات والكمالات كلها لا تنال إلا بحظ من المشقة ولا يعبر إليها إلا على جسر من التعب، وقد أجمع عقلاء كل أمة أن النعيم لا يدرك بالنعيم وأن من آثر الراحة فاتته الراحة وأنه بحسب ركوب الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة، فلا فرحة لمن لا هم له، ولا لذة لمن لا صبر له ولا نعيم لمن لا شقاء له ولا راحة لمن لا تعب له، كما قال المتنبي:
وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام
ولا ريب عند كل عاقل أن كمال الراحة بحسب التعب، وكمال النعيم بحسب كمال المشاق في طريقه، وإنما تخلص الراحة واللذة والنعيم في دار السلام). مفتاح دار السعادة.
ما أريد التوصل إليه أن الكلمات مخزون ثقافي، الكلمات صور في ذهن الإنسان أو المجتمع وقد تكون - والله أعلم - هذه الثنائية (الحكومي/ الخاص) عندما تتقابل وتسقط على نمط حياة معين في مجتمعي، تعني (رتابة / حيوية).