الحياة باعتبارها فرصة الوجود التي يمنحها الله وينعم بها على خلقه لأجل أن يبدعوا ذواتهم ويمارسوا أدوارهم، لا تكون كذلك إلا وفق الحكمة الإلهية للوجود. وحين يختصر الناس معنى حكمة الله أو يجعلوا لها ظروفاً وطقوساً وشروطاً وأحكاماً مما تدركه عقولهم أو مما تمليه أهواؤهم فإنهم يفقدون المعنى وتضيق بهم الحياة بما كسبت عقولهم وأفكارهم وبما صنعته أعمالهم وسلوكهم. ويغرقون في تفاصيل تحجبهم عن جوهر الكل وآفاق المعرفة والعرفان. ومن العجب أن بعض تلك العقول القاصرة تفسر الضيق والمشقة والعنت الذي تكتسبه بأنه ابتلاء من الله! ثم تتسلى بالصبر والاحتساب عليه. إنها معادلة ليس لها تفسير غير أن الإنسان من حيث لا يشعر يصبح عابداً لذاته وهواه وهو يضمن أنه يعبد الله! (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) وكنتيجة لهذا الفهم وذلك السلوك فإن الحياة في محيطنا الثقافي ـ الديني والاجتماعي ـ ليست بأفضل أحوالها فهي حياة لا قيمة لها باعتبارها دار الفناء، ودار الممر لا دار المقر! وربما ملعونة مذمومة خداعة. في قاموس لفظي وسلوكي طويل. وفي محيط آخر يطرح العلماء والحكماء فلسفتهم وتجاربهم حول الحياة في محاولة لفهم قوانينها ونواميسها وكشف أسرارها؟ وفي محاولة لطرح أسئلة مفتوحة في مضامينها ومفتوحة في غائيتها ومراداتها. بغية الوصول إلى مساحات حياتية أكبر وأوسع وأرحب لأفكار الإنسان وأعماله ومواهبه وتطلعاته، فتحاً لأبواب الأمل وإغلاقاً لسراديب الظلام وأنفاق اليأس. باعتبار أن الحياة قيمة وحكمة وفرصة.
تحت عنوان هذه المقالة ألف الفيلسوف والكاتب فريدريك لونوا كتابه (فن الحياة) وليس عبارة عن فلسفة نظرية، بل روح عملية وثمرة لثلاثين سنة من التجارب والأبحاث. وكتب (لوك فيري) المفكر والفيلسوف الفرنسي والوزير السابق للتربية والشباب والبحث العملي. كتابه (تَعلْم الحياة) وهو مبحث في الفلسفة بتصرف الأجيال الشابة، من دون أية لغة متخصصة ليجعل منه كتاباً يرافقك مدى الحياة. أما (كين شيلتون) ألف كتابه (النجاح الحقيقي للحياة) معتمداً على كتابات (أور يسون سويت ماردن) مؤسس مجلة النجاح. ويرى الدكتور دينيس وايتلي في مقدمته للكتاب: أن هذا الكتاب يجب أن يقرأه كل خريجي الجامعات، لأنه يزودك بالخطوات الأساسية اللازمة لتحقيق أحلامك وطموحاتك. وسبق لي أن قرأت إضافة إلى ما ذكرت: كتاب جدد حياتك للمؤلفة شيريل ريتشارد سون، وكتاب متعة الحياة البسيطة للمؤلف (جيف ديفيد سون) وعشرات الكتب التي في مكتبتي وخارجها والتي لا يتسع لها المقال. هذه الثقافة التي توحي بها هذه المؤلفات ومثلها البرامج والمحاضرات والدورات. كلها تنشر فن الحياة وإمكانية السعادة والفوز فيها بالنجاح.
أرجو ألا يغريك قارئي الكريم، عنوان المقالة بأنني سأكتب لك هنا كيف تكتشف فن الحياة؟ فتلك خدعة لو أني فعلتها. كل ما أريده هو الوعي بهذه الفكرة (فن الحياة) وأن نتخذ خطواتنا الفاعلة للحصول على هذا المعنى في كل أدوارنا الحياتية الفردية والجمعية.
وهنا رسالة موجهة لكل وزارة للتربية والتعليم في منطقتنا؛ أن يكون مما يتعلمه الطلاب والطالبات (فن الحياة) عبر مقررات دراسية وأنشطة لا منهجية للمعلمين والمتعلمين على حد سواء. ولك أن تتصور جيلاً قادماً تأهل من خلال مدرسته للوعي بـ(فن الحياة) و(قوانين النجاح) كيف سيكون الانعكاس منه والانعكاس عليه، وكيف ستتشكل المجتمعات القادمة من خلال هذا الوعي. وبإمكاننا من خلال هذا العمل أن نضمن تديناً وسطاً لا تطرف فيه، ومواطَنة صادقة فاعلة. من خلال الإنسان المنسجم مع الحياة. هذا الإنسان الذي سيخلصنا من نموذج الإنسان الثائر على الحياة والكاره لها، والذي ينتظر أي فرصة لتدميرها والقضاء على منجزاتها ومكتسباتها وتعكير صفوها، حتى ولو زعم أن ذلك في سبيل الله!! فالله أعلى وأجلّ. وهو سبحانه أرحم بعباده وأحكم.