يظل المجتمع مستورًا بعض الشيء، حتى إذا نشب الخلافُ واحتدّ؛ انكشف ما يدّخره من رصيدِ الأخلاق، وقوانينِ التفكير
في المعارك الفكرية فرصةٌ ثمينة لاختبار أخلاق الطائفتين، واختبار طريقتهما في التفكير
ومن الخطأ أن يتعرض المجتمع لهذا الاختبار ثم نكتفي بالمشاركة في الخلاف، وننسى استخلاص الدرس والعبرة، ومراجعة ما تدَّخره نفوسنا من أخلاق، وما تستودعه عقولنا من قوانين التفكير
لقد تعرَّض المجتمع السعودي لاختبار متكامل، حين ثار الجدل، وانتشر السجال حول ما ذكره الأستاذ داوود الشريان بخصوص (تحريض الشباب على الذهاب إلى سورية)، وذِكرِه لأسماء محددة على سبيل النقد والمساءلة
في هذا السجال شارك عدد كبير من المجتمع بسبب الإعلام الجديد الذي جعل المشاركة حقًا متاحًا لكل أحد، وكَسَر الاحتكار السابق من قِبَل المؤسسات الإعلامية
في هذا المقال لن أناقش (رأي) الشريان، ولن أقف معه ولا ضده، لأن هذا النقاش قد استوفى حظه في الأيام الماضية، ولكن سأحاول أن أناقش على عجل (الطريقة) الخاطئة التي حضرت في هذا الخلاف، من هذا الطرف أو ذاك
وفي جانب الأخلاق أو التفكير
وظاهرٌ أن من التزم الطريقةَ الصحيحة في تفكيره وأخلاقه خير من غيره ولو أخطأ في رأيه
١- هاتوا برهانكم:ظهر في هذا السجال أن هناك عددا غير قليل من العامة والخاصة، لا يشترط في قبول الفكرة أو التهمة برهانًا ودليلًا
هذه الطريقة في التفكير أكثر ضررا وخطرا من الفكرة الخاطئة في الموضوع ذاته
العقل الذي لا يطلب من الفكرة أو التهمة برهانًا يصدقها، سينفرط نظامه، ويضطرب تفكيره، ويصبح الهوى، حبًا أو بغضًا، هو المعيار في قبول الأفكار والأخبار أو رفضها
٢- حقوق المخالف:«الحقوق» فوق الخلاف في الرأي، فوق الحزبية، فوق الأهواء الخاصة
حين تتحدث عن اسم محدد من داخل المجتمع، وتوجه له نقدًا واتهامًا، فإن حق الإسلام وحق المواطنة وحق المهنة، يوجب عليك أن تتيح له الفرصة في التعبير عن نفسه، وبيان موقفه
والخطأ في انتهاك هذا الحق أعظم من الخطأ في الرأي ذاته
٣- خطاب التكفير:«التكفير بغير حق» هو موقف عاطفي ناشئ عن جهل أو حقد، ورغبة في تشويه المخالف وطرده وسلبه كامل حقوقه
يشبه هذا الموقف العاطفي الخطير: «التخوين بغير حق»
فإنه هو الآخر تكفير

ولكن بلغة وطنية، بينما التكفير بلغةٍ شرعية
هذا لا يعني أن التكفير والتخوين محرمان أبدًا، إنما يعني منعهما الصارم إلا بحجةٍ وسلطانٍ مبين
لا يجوز أن يتحول التكفير والتخوين إلى شتائم يقودها الغل والحقد، بل هما حكم علمي بعيد عن الهوى والعاطفة
٤- الخطاب الطائفي:الخطاب الطائفي محل نقد وذم، ولكن هناك إشكال ظاهر حين ننتقد الخطاب الطائفي بين طائفتين موجودتين ومتمايزتين في الواقع، ثم نمارس ما هو أشد من ذلك في (صناعة طائفة جديدة) لم يكن لها وجود
والحديث عنها بخطاب طائفي فيه توجيه الاتهامات دون علم، والتحريض عليها دون عدل
ونستطيع أن نقول إن صناعة طائفة جديدة لم يكن لها وجود، وتمييزها عن بقية المجتمع بوصف خاص، والتعامل معها بدون علم وعدل هو أشد أنواع الخطاب الطائفي
٥- أوجاع الناس:عندما يتألم الإنسان يجب أن ننسى خلافاتنا وما يمكن أن يكون معها من تصفية الحسابات، يجب أن ننسى كل شيء ونتذكر هذا الإنسان وأوجاعه، وما يمكن أن نعمله في رفع ضُرِّه ومعاناته
خطيئةٌ في حق الأخلاق لا تُغتفَر حين نتاجر في دمعة المضرور، وحين نستثمر هذا الألم لحسابات شخصية أو حزبية
إن هذا الخطأ الأخلاقي لا يكاد يسلم منه طائفة أو تيار، وشرف الأخلاق يوجب أن يكون هذا السلوك محل إنكار من الموافق في الرأي قبل المخالف
السجال والخلاف الفكري -يا سادة- فرصة لأن نرى أنفسنا في مرآة الأخلاق، ومرآة التفكير
وحماسنا لهذا الرأي أو ذاك لا ينبغي أن يشغلنا عن مراجعة قوانيننا الأخلاقية والفكرية في كل فرصة سانحة
alqurashi
a@makkahnp
com